علي بن مبارك اليعربي
ليست كلُّ قوةٍ تُقاس بارتفاع الصوت، فبعضُها يُقاس بقدرتِه على تغيير المشهد دون أن يُحدِث ضجيجًا.
في زمنٍ يُقاس فيه الحضور بحدّة التصريحات، وتُوزن فيه المواقف بعلوّ النبرة، تختار سلطنة عُمان طريقًا مختلفًا؛ طريقًا لا يُراهن على الصخب، بل على الأثر، ولا ينشغل بإثبات الوجود بقدر ما ينشغل بصناعة الفارق.
فبينما تتزاحم الأصوات في مشهدٍ إقليميٍّ مضطرب، وتتصاعد لغة الاصطفاف، تمضي عُمان بهدوءٍ لافت، تُدير مواقفها بعقلٍ متزن، وتتحرك وفق رؤيةٍ لا تستعجل النتائج، لكنها تُحسن الوصول إليها.
هذا الحضور الهادئ لم يسلم من التأويلات؛ فمرة يُوصف بالحياد المربك، وأخرى بالتردد، وثالثة بمحاولات ربطه بانحيازاتٍ لا تعكس حقيقته. غير أن هذه القراءات – في جوهرها – تكشف أزمة فهم أكثر مما تكشف خللًا في الموقف.
فـ رغم علمهم اليقيني بأن عُمان كانت – ولا تزال – صاحبة الأدوار الرائدة في حلحلة الأزمات، وأن نهجها المتجنّب للصدام ليس تراجعًا بل اختيارٌ راقٍ ومختصر، يمكّنها من أداء أدوارٍ دقيقة لا تُتاح لغيرها، يصرّ بعضهم على قراءة هذا الاتزان بسطحية، وكأن الحكمة تُقاس بارتفاع الصوت لا بعمق الأثر.
لقد اختارت عُمان أن تكون جسرًا لا متراسًا، وأن تُقدّم منطق الحوار على منطق المواجهة، وأن تُدير علاقاتها برؤيةٍ تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها. وهذا النهج لم يكن وليد ظرفٍ عابر، بل امتدادٌ لمدرسةٍ سياسيةٍ عميقة، تؤمن بأن الاستقرار لا يُصنع بالصخب، بل بالتوازن.
فالحياد في المفهوم العُماني ليس انسحابًا، بل حضورٌ متزن، وليس تردّدًا، بل دقة في التقدير، ووعيٌ بأن كثيرًا من الأزمات لا تُحل برفع الصوت، بل بخفضه، ولا بتأجيج المواقف، بل بتهدئتها.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المواقف تُقاس بسرعة التصريحات وحدّتها، تمضي عُمان في طريقٍ مختلف؛ طريقٍ يُقاس فيه الفعل بأثره، لا بضجيجه، وبما يُحققه من تقريبٍ للمسافات، لا بما يُثيره من اتساعٍ في الفجوات.
إن الصمت العُماني ليس غيابًا، بل أسلوبٌ في الحضور، ولغةٌ تُجيد قراءة التوقيت، وتُحسن اختيار اللحظة، وتُدرك أن بعض الأدوار لا تُمارس تحت الأضواء، بل تُنجز في مساحاتٍ لا يراها إلا من يفهم عمق السياسة.
ختاما ليست كل الدول تُقاس بارتفاع صوتها، فبعضها يكتب حضوره بهدوءٍ، ويصنع أثره بحكمة، ويترك الضجيج لغيره ،ثم يمضي ليُغيّر المشهد.



