الأحد: 19 أبريل 2026م - العدد رقم 2890
مقالات صحفية

اطمئن، ليس كل ما يحدث يستحق قلقك

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

في زمنٍ تتكاثر فيه الأحداث، وتتسارع فيه الأخبار حتى تسبق ثبات العقول، يجد الإنسان نفسه محاطًا بسيلٍ من الوقائع والتحليلات، وكأنه مطالبٌ أن يفهم كل شيء، وأن يُحيط بكل تفصيل، وأن يحمل همّ ما يجري وكأنه جزءٌ من تكليفه. وهنا يبدأ الخلل ، ليس في الحدث، بل في طريقة استقراره داخل النفس.

لقد تحوّلت المتابعة عند كثيرين من وعيٍ محمود إلى استنزافٍ مستمر، ومن إدراكٍ هادئ إلى قلقٍ متراكم، حتى غدت النفوس مثقلةً بما لا تملك له دفعًا، ولا تقدر له على تغيير. وهذا ليس من الفقه في شيء، ولا من الحكمة في التعامل مع سنن الحياة التي تمضي بتقديرٍ لا يتوقف على قلق الناس ولا على انشغالهم.

إن من أعظم ما يردّ النفس إلى اتزانها أن تدرك حدودها، وأن تعلم أن هذا الكون لا يُدار بقلقنا، ولا تُضبط موازينه بانشغالنا، بل هو قائمٌ على تدبيرٍ محكم لا يغيب عنه شيء. قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
ففي هذه الآية تربيةٌ للنفس أن تعرف قدرها، وأن لا تتكلف ما لم تُكلَّف به.

إن الإيمان الحق لا يعني الغفلة عن الواقع، ولا الانصراف عن قضايا الأمة، ولكنه يعني أن تعيش الحدث دون أن يبتلعك، وأن تتابع دون أن تُستنزف، وأن تفهم دون أن تقلق. فليس كل ما يُقال يُسلَّم، وليس كل ما يُخشى سيقع، وليس كل ما يحدث يحتاج أن يسكن قلبك.

وقد رسم القرآن ميزان الطمأنينة حين قال سبحانه ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
فما كُتب واقع، وما لم يُكتب لن يكون، فلا يحملنّك الخوف إلى ما لم يُقدّر، ولا يُرهقك التفكير فيما لم يقع.

إن من أعظم الأوهام أن نظن أن كثرة التفكير تمنحنا سيطرة، بينما هي في حقيقتها تُبدد الطاقة وتُضعف السكينة. وهنا يأتي التوجيه الإلهي الذي يضع حدًا لهذا الاستنزاف:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
أي كافيه، وكفاية الله ليست قولًا يُردَّد، بل يقينًا يُعاش، وسكونًا يملأ القلب حين يسلّم العبد ما لا يملك لمن يملك كل شيء.

وليس المقصود من ذلك أن ننسحب من الواقع، بل أن نُحسن التعامل معه. أن نعمل فيما نملك، ونُسلّم فيما لا نملك. أن نُحسن الظن، كما نُحسن الفعل، وأن لا نحمل أنفسنا ما ليس لها به طاقة.

وفي زحام الأخبار، يحتاج الإنسان أن يسأل نفسه بصدق: هل ما أتابعه يزيدني وعيًا أم قلقًا؟ هل يدفعني إلى العمل أم يستهلكني في التفكير؟ فإن لم يكن في المتابعة إلا اضطراب النفس، فالتقليل منها حكمة، بل عبادة؛ لأن حفظ القلب مقصد، وطمأنينته نعمة.
وقد ختم الله هذا المعنى بوعدٍ يسكب السكينة في القلوب:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾
فالطمأنينة ليست في كثرة التحليل، بل في صدق الصلة بالله.

إن العالم لن يهدأ، والأحداث لن تتوقف، لكن قلب المؤمن يمكن أن يهدأ، إذا عرف أين يضع ثقته، وعلى من يتوكل، وإلى من يُسلّم أمره. فليس المطلوب أن نُحيط بكل شيء، بل أن نثبت على شيءٍ واحد: يقينٌ لا يتزعزع، وثقةٌ لا تتبدد.

وبين ضجيج الخارج وسكينة الداخل، يُمتحن وعي الإنسان. فإما أن يظل أسيرًا لما يسمع، أو أن يرتقي إلى مقام الطمأنينة ، حيث يسمع فيفهم، ويفهم فيتزن، ويتزن فيطمئن.

*وهنا فقط، يدرك الحقيقة التي غفل عنها طويلًا: أن ليس كل ما يحدث، يستحق أن يسكن قلبه.*

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights