الأحد: 05 أبريل 2026م - العدد رقم 2876
مقالات صحفية

من يُقنع الذبابة؟

ثاني بن مبارك الحبسي

قررت ذبابة ترك العيش مع الفضلات، وأن تهجر حياة المزابل بلا عودة؛ ففكرت في البحث عن بيئة مناسبة تكون أجمل وأنقى، فلم تجد أفضل من حياة النحل.

فذهبت إلى إحدى خلايا النحل، وطلبت العمل معهم، بعد أن أخبرتهم بقرارها ترك عادتها القديمة وهجر حياة الفضلات.

حاولوا إقناعها بعدم جدارتها، وقلة كفاءتها، وعدم توافق طبيعتها مع طبيعة عمل النحل، لكنها أصرت على طلبها.

أخذ حراس النحل يتبادلون النظرات فيما بينهم تشاورًا في أمر الذبابة، وعندما رأوا إصرارها قرروا إيصال أمرها لأصحاب القرار داخل الخلية.

فجاء القرار بالموافقة، على أن يقتصر عملها بأمور الفضلات فقط، نظرًا لتناسب تلك المهمة مع طبيعة الذبابة، وأن يكون عملها خارج الخلية فقط، دون السماح لها بالدخول.

وافقت الذبابة، وبدأت عملها بكل همة ونشاط، واستمرت عدة أسابيع في أداء وظيفتها، وقد أبدت عملًا لا بأس به.

إلا أن شغفها ورغبتها في دخول الخلية كانا يساورانها في كل لحظة، فصارت تترجى النحل لتحقيق رغبتها؛ كي يُسمح لها بالعمل داخل الخلية، ووعدتهم بأنها ستبذل قصارى جهدها من أجل خدمة الخلية.

ورغم تكرار طلبها، إلا أن النحل رفض أن تُعطى الذبابة عملًا آخر غير الذي أُسند إليها؛ لأنهم يدركون جيدًا أن هذا المجال هو الأقرب والأنسب لها.

مرت الأشهر، والذبابة تبذل كل ما بوسعها في عملها دون أن تدخل الخلية، والحلم لا يزال يساورها في ذلك.

فعادت وكررت الطلب مرارًا، حتى بدأ النحل يشعر بالانزعاج من تكرار طلبها، فقرروا بعد مشاورات أن تُعطى فرصة لدخول الخلية، وأن يتم تغيير وظيفتها، فأسندوا لها مهمة جمع الرحيق مع باقي النحل.

فرحت الذبابة كثيرًا بالموافقة، وأبدت استعدادها لبدء وظيفتها الجديدة.

صارت تطير مع باقي النحل لجمع الرحيق، وتعود بما تستطيع جمعه من قوت ورحيق، ورغم نجاحها في بداية الأمر، إلا أن النحل لم يغفل عن مراقبتها ومتابعة أدائها بشكل مستمر.

وبعد فترة بدأت الذبابة تكسب ثقة الخلية شيئًا فشيئًا، حتى قلَّت عنها المراقبة بسبب تلك الثقة.

وفي إحدى المرات، وبينما هي قادمة من رحلة جمع الرحيق، إذ بها تمر من أعلى إحدى المزابل، وفجأة قررت أن تحط بالقرب منها.

وإذ بشعورٍ قديم يفتح صفحات ماضيها، ويتحرك بداخلها، وكأنه شعور المتلهف لشيءٍ ما، فصارت تقاوم نفسها، وتحاول ثني تفكيرها، بينما يسحبها ذلك الشعور للجانب الآخر.

وما هي إلا لحظات حتى استسلمت لرغبتها، وانساقت خلف ذلك الشعور، لتجد نفسها وسط تلك القمامة، فشعرت كأن حياة جديدة قد فُتحت لها، وأحست بشوق تلك القمامة كأنه يسري في عروقها من جديد.

فكل ذلك الرحيق، بروائحه الطيبة، الذي طالما تنفَّست شذاه، وكل تلك الروائح الزكية التي طالما عاشت بين أريجها، لم تؤثر فيها لتغيير عادتها وسلوكها القديم، فآثرت أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ورجعت الذبابة لحياة القمامة وروائح الفضلات، فقد رأت أن حياتها تكمن هنا.

فالطباع جذور متأصلة، وإن خمدت بعض الوقت، إلا أنها ستنشط وتتَّقد حينما تتهيأ لها الظروف، وكلٌّ سيعود لعين طبعه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights