السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

«ناقصات عقل ودين» .. حين يُساء فهم البيان ويغيب فقه المقاصد

   محمد بن سعيد العلوي

في كل عصرٍ تُعاد فيه مناقشة النصوص الدينية خارج سياقها، لا يكون الإشكال في النص ذاته، بل في زاوية النظر إليه. ومن أكثر النصوص التي أُسيء فهمها حديث النبي ﷺ:
«ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أَغلبَ لذي لُبٍّ منكنّ».

حديثٌ يقتطع من سياقه، ويُحمَّل ما لم يُرِد، ويُحوَّل من بيانٍ تشريعيٍّ إلى حكمٍ قيميٍّ عام، في حين أن القراءة المنهجية المتأنية تكشف أنه أدقّ وأعدل من أن يُفهم على أنه انتقاص.

أولًا: البيان النبوي يفسّر نفسه

الحديث ثابت في صحيح مسلم، وقد ورد في سياق خطبة العيد، حين توجّه النبي ﷺ إلى النساء بموعظةٍ خاصة ذات طابع تربوي. وحين استشكلن وصف “نقصان العقل والدين”، لم يترك ﷺ العبارة مجملة، بل فسّرها تفسيرًا مباشرًا محددًا:
• نقصان العقل: لكون شهادة المرأة في بابٍ معين نصف شهادة الرجل.
• نقصان الدين: لترك الصلاة والصيام زمن الحيض.

إذن، البيان لم يُترك مفتوحًا للتأويل، بل ضُبط بضابطين شرعيين محددين. وهذا وحده كافٍ لإسقاط القراءة التي تحوّل الحديث إلى حكمٍ مطلق على جوهر المرأة أو قدراتها.

ثانيًا: نقصان العقل… تشريع تنظيمي لا حكم قيمي

أحال النبي ﷺ في تفسير نقصان العقل إلى مسألة الشهادة، المنصوص عليها في أطول آية في القرآن الكريم:

﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ… أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾
(سورة البقرة: 282)

الآية نفسها ذكرت العلّة: احتمال النسيان في سياق المعاملات المالية. والسياق هنا سياق حفظ المال، وهو أحد مقاصد الشريعة الكبرى. فالحكم إذن تنظيميٌّ احترازيٌّ في مجال محدد، لا تقويمٌ لذكاء المرأة أو كفاءتها العقلية.

والخلط بين “الحكم التنظيمي الجزئي” و”التقويم القيمي العام” خطأ منهجي جسيم. فلو كان المقصود نقصًا في الإدراك أو الفهم، لما كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرجعًا علميًا يرجع إليه كبار الصحابة. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه:
«ما أشكل علينا أصحابَ محمد حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا».

فهل تُجمع الأمة على علم امرأة، ثم يُفهم حديثٌ واحد على أنه حكمٌ بنقصٍ عقلي مطلق؟
المنهج العلمي يرفض هذا التناقض.

ثالثًا: نقصان الدين… تخفيف تكليف لا انتقاص إيمان

أما نقصان الدين، فبيانه واضح في ترك الصلاة والصيام زمن الحيض. والحيض حقيقة فطرية كتبها الله على بنات آدم، قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
(سورة البقرة: 222)

فالمرأة لا تترك العبادة تقصيرًا، بل امتثالًا لأمر الله. وهذا من باب التخفيف، لا من باب العقوبة أو الانتقاص.
ونقصان العمل لا يعني نقصان الإيمان القلبي ولا المنزلة عند الله.

والقرآن حسم معيار التفاضل:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13)

كما ساوى بين الرجل والمرأة في أصل الثواب والعمل:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
(النحل: 97)

فالمعيار إذن تقوى وعمل، لا جنسٌ ولا وصفٌ عارض.

رابعًا: بين القراءة المجتزأة وروح الشريعة

الشريعة التي حرّمت وأد البنات، وجعلت الإحسان إليهنّ سببًا في دخول الجنة، وأوصت بالنساء في خطبة الوداع، وقال فيها النبي ﷺ:
«استوصوا بالنساء خيرًا»
وجعل الأم أولى الناس بحسن الصحبة ثلاث مرات قبل الأب، لا يمكن أن تُقرأ على أنها شريعة انتقاص.

إن النصوص لا تُفهم مفردةً معزولة، بل يُفسّر بعضها بعضًا، ويُردّ الجزئي إلى الكلي، والمتشابه إلى المحكم. والقراءة التي تعزل حديثًا عن منظومة كاملة من نصوص التكريم والعدل، إنما تُنتج فهمًا مبتورًا لا يعبّر عن روح التشريع.

خامسًا: فقه المقاصد… الميزان الغائب في الجدل المعاصر

حين يُقرأ الحديث في ضوء مقاصد الشريعة، يتبيّن أنه متعلق بحفظ المال في باب الشهادة، ومراعاة الطبيعة الجسدية في باب الحيض، لا بتقييم إنساني عام.

والشريعة في تنظيمها للأدوار والوظائف لا تُنقص من الكرامة، كما أن اختلاف الأحكام لا يعني تفاوت القيمة.
فالتكليف يتنوّع، لكن الكرامة الإنسانية ثابتة بنص القرآن.

حين يُنصف الفهم النص

حديث «ناقصات عقل ودين» ليس حكمًا على جوهر المرأة، ولا وصفًا لقصورٍ فطري، بل بيانٌ تشريعيٌّ محدد المجال، فسّره النبي ﷺ بنفسه، وضبط حدوده.

والعدل يقتضي أن نقرأ النصوص بعين العلم، لا بعين الانفعال؛
وبفقه المقاصد، لا بسطحية الاقتطاع؛
وبروح الشريعة الكلية، لا بعبارةٍ مجتزأة.

فالمرأة في الإسلام أمٌّ مكرّمة، وبنتٌ مصونة، وعالمةٌ يُؤخذ عنها، وشريكةٌ في التكليف والثواب، وصانعةٌ للحضارة.

ويبقى الميزان الذي لا يختل:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

اللهم ارزقنا فقهًا في الدين، وبصيرةً في الفهم، وعدلًا في القراءة.

غفر الله لنا ولكم ولوالدينا ولموتانا وموتى المسلمين أجمعين
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights