تحية احترام لجيوش التنمية العظام
د معاذ فرماوي
المدير التنفيذي للفروع الدولية – باب رزق جميل
[email protected]
كما أن للجيوش مهام عظيمة تتجاوز القتال لتشمل الدفاع عن الوطن، والمساهمة في التنمية الشاملة، والمشاركة في مشروعات البنية التحتية، لذا كان من الخطورة الشديدة الإساءة لها خاصة وقت الأزمات والحروب؛ لأن ذلك يؤثر سلبا على الروح المعنوية ويضعف القدرة القتالية ويؤدي في النهاية لتعرض الدول للخطر، وكذلك فإن لمنظمات التمويل الأصغر مهام عظام في محاربة الفقر والبطالة وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والهجوم عليها يؤثر سلبا على دورها الرائد اقتصاديا ومجتمعيا، ويقوض هذا الدور فينتشر الفقر وتزداد البطالة وتتقلص التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
التمويل الأصغر بعبارة شديدة الإيجاز هو عمل مصرفي بأهداف مجتمعية، ويجب أن يتحقق التوازن بين جناحي التعريف، فلا بد من أن يتحقق للتمويل الأصغر الاستدامة المالية بتغطية مصاريفه التي تتصف بأنها مصاريف مرتفعة نتيجة طبيعة هذا النوع من التمويل، وكذلك تحقيق الأهداف التنموية والمجتمعية، ولا يمكن للتمويل الأصغر أن ينجح ويستمر إلا بتحقيق الهدفين معا.
وللأسف الشديد تزامنت مع أزمة صناعة التمويل الأصغر ب “مصر” خاصة أزمة استرداد التمويلات الممنوحة للعملاء المستفيدين أزمة أخرى لا تقل خطورة عنها؛ وهي تغير نظرة العملاء وبعض أطراف اجتماعية وسياسية وإعلامية، بل ودينية تجاه هذه الصناعة الرائدة من خلال الهجوم المباشر وغير المباشر على منظمات التمويل الأصغر وبلا وعى لدورها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وما سيتعرض له عملاء التمويل الأصغر أنفسهم من خسائر قبل هذه المؤسسات جراء هذا الهجوم.
تبرز أهمية دور مؤسسات التمويل الأصغر وفعاليتها في محاربة الفقر ومحاربة البطالة من خلال توفير خدمات التمويل الأصغر للمستفيدين بشروط ائتمانية ميسرة وضمانات بسيطة تتلاءم مع قدراتهم الاقتصادية، وساهمت في حل مشكلة عدم وصول غير القادرين للقروض التقليدية فأحدثت تحولا كبيرا في دعم ومساعدة ملايين الأشخاص من خلال خلق وظائف جديدة ومستديمة وتنوع دخل الأسرة وارتفع مستوى المعيشة ومعدل الأمن الغذائي، كما ساهمت أيضا بشكل كبير في تعليم الفقراء كيفية الاعتماد على أنفسهم في إنشاء وإدارة مشروعاتهم وخاصة السيدات وأحدثت تغيرا اقتصاديا إيجابيا، وأثبتت أن ذلك أفضل من المنح المالية والصدقات بسلبياتها المتعددة؛ ومنها الاعتمادية بدلا من إنشاء وتطوير مشاريع خاصة.
وكما سبق فإن نجاح مؤسسات التمويل الأصغر في المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية يعتمد على قدرتها على تغطية تكلفة تمويلها للمشروعات الصغيرة واسترداد أموالها من المستفيدين، مع تحقيق فائض يتم إعادة استثماره في التوسع في فتح فروع جديدة في مناطق غير مخدومة بشكل كافي، كما يستخدم هذا الفائض في زيادة التمويلات المقدمة للعملاء لزيادة حجم مشاريعهم.
إن توقف العملاء عن سداد التمويلات ولو لفترة قصيرة يؤثر سلبا على استدامة مؤسسات التمويل الأصغر وعدم تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل لهذه المؤسسات قياسا بتكاليف التمويل التقليدي، والأخطر أن ذلك سيؤثر أيضاً على قدرتها على الوصول لأعداد كبيرة من الفقراء المحتاجين للخدمات المالية وبشكل مستمر، إضافة لعدم قدرتها علي زيادة حجم التمويلات المطلوبة للمستفيدين لزيادة حجم مشاريعهم، أي أن الخاسر الأول هم العملاء المستفيدين قبل هذه المؤسسات.
كما أن سعى المهاجمين لأسعار فائدة التمويل الأصغر بمبرر أن مؤسسات التمويل الأصغر تجني أرباحاً كبيرة دون فهم لما سبق ذكره يبرر لبعض العملاء عدم سدادهم لمديونياتهم، وهو ما سيكبد هذه المؤسسات خسائر فادحة تحد من قدراتها على توسيع عملياتها، وتثبط المستثمرين المحتملين عن دعم هذه الصناعة الرائدة، وتقلل الجدارة الائتمانية لها وتضعف قدرتها على الاقتراض لتمويل عملياتها، وسيؤدى ذلك لإهمال العملاء الأكثر فقراً وأصحاب القروض الصغيرة والتوجه للقروض قصيرة الأجل؛ وهذا سيحدث ضرراً بالغاً بالعملاء محدودي الدخل، وسيؤدى علي المدى الطويل لانسحاب مؤسسات التمويل الأصغر من السوق لتفاقم الخسائر، وبالتالي انخفاض معدل النمو للتمويل الأصغر بشكل كبير، وكمثال على ذلك انخفاض معدل النمو في نيكاراغوا من 30% إلى 2% بعد وضع حداً لسقف الفائدة.
إن ما ذكر يعد كافيا لوقف الهجوم على مؤسسات التمويل الأصغر، والتحول لدعمها وفهم طبيعتها وشروط استمرارها، وأيضاً كافيا لتوضيح خطورة ذلك على عملائها من الفقراء ومحدودي الدخل.
فضلاً، أوقفوا الحرب على جيوش التنمية وساندوها ووجهوا لها التحية؛ فأنتم لا تدركون العواقب الوخيمة لهذه الحرب.



