الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

المثقفون ودورهم في المجتمع..غياب التأثير وإشكاليات الواقع الثقافي

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

تُعد الثقافة من أعمدة بناء المجتمعات وتشكيل هويتها، ويُعد المثقف ركيزة أساسية في هذا البناء. لكن ما نعيشه اليوم يظهر أن شريحة واسعة من المثقفين أصبحت منشغلة عن جوهر المعاناة التي يواجهها المجتمع، مما أثّر بشكل مباشر على دورهم الفعّال.

في هذا المقال، أستعرض مجموعة من الملاحظات المستقاة من عدد من المثقفين حول هذه الظاهرة، في محاولة لتحليل أثرها على المشهد الثقافي.
1. ضعف الدور الثقافي
أصبح دور المثقف في الآونة الأخيرة هشًّا إلى حدّ كبير، إذ ابتعد كثيرون عن القضايا الثقافية الأساسية، لتحل محلها النزعة إلى تضخيم الذات وإعلاء “الأنا”. وقد انعكس هذا التراجع على تأثيرهم في القضايا الثقافية والاجتماعية، حتى أصبح المثقف ـ كما ذكر أحدهم ـ مجرد متفرج على ما يدور في الساحة الأدبية، إن لم يكن طرفًا فيها.
بات يراقب المشهد من بعيد، دون مساهمة حقيقية في صنعه أو تطويره، أو حتى الدفاع عن الآخرين عند تعرضهم للظلم. وهذا يدفعنا للتساؤل: أين دور المثقف في الأحداث الثقافية المهمة؟ وهل يقتصر دوره على النقد أو الانتقاص؟ أم أنه مطالب بأن يكون عنصرًا فاعلًا في تحريك عجلة الثقافة؟
2. فهم الثقافة
الثقافة ليست حضور فعاليات أو نشر كتب أو الجلوس في الصفوف الأولى؛ بل هي مسار حيوي يتطلب متابعة مستمرة للأحداث المحلية والعالمية. ويجب على المثقف أن يكون فاعلًا في التعبير عن آرائه ومدافعًا عن حرية الرأي، وحاملًا لمشاريع معرفية تعزز الحقول الثقافية.
لكن ما نراه اليوم أن بعض المثقفين يتعاملون مع الإنتاج الثقافي بسطحية، ويتقيدون بالمجاملات أو الإطراء الخالي من القيمة، ويعملون داخل دوائر ضيقة. أما التضامن مع المشاريع الثقافية الجديدة فيغيب تمامًا عندما لا تنتمي تلك المشاريع إلى محيطهم أو اهتماماتهم، مما يضعف من قيمة الثقافة ويعيق تطورها.
3. انتقاص الجهود الثقافية
عندما لا تُقدَّر الجهود الثقافية المبذولة بوقت وجهد، أو لا تخضع لمراجعة جادة، يصبح من المشروع التساؤل: هل يستحق أصحابها الاستمرار في العمل؟
في بعض الحالات يبدو أن هناك من يتصور أن الانتقاص من جهود الآخرين يعود عليه بالنفع، سواء لتحقيق مكاسب شخصية أو لمبررات أخرى. والحقيقة أن هذه الممارسات تضعف قيمة الجهود الثقافية، وتؤثر سلبًا على المبدعين الذين يحاولون التعبير عن هويتهم ورسالتهم. فالانتقاص لا يعزز الثقافة، بل يعيقها، ويجعل من الصعب على المشاريع الجديدة أن تجد مساحة لها داخل بيئة ثقافية مليئة بالتحديات.
4. ضرورة الدعم والتعاون
في إطار مفهوم “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، نجد أن كثيرًا من المثقفين قد اختاروا الصمت أمام ما يحدث في الساحة الثقافية. فبدلًا من دعم المبدعين الجدد، يتجنبون حتى إبداء رأي صريح.
ولنأخذ مثال المسرح المفتوح؛ فقد عمل الشباب بجد لتقديم تجارب فنية يرونها فريدة، لكن بعض الانتقادات اعتبرت تلك الأعمال غير معبرة عن الواقع العماني، دون محاولة للحوار مع الكاتب أو المخرج لمعرفة أهداف العمل وأبعاده.
لماذا لا نتفاعل معهم؟ لماذا لا نجلس مع هؤلاء الشباب ونتبادل الأفكار؟ لماذا نكتفي بالسخرية بدل التشجيع؟ لماذا لا يُمنح الجيل الجديد فرصته للتعبير دون وصاية أو شروط مسبقة؟
إن الانتقادات غير البناءة، سواء من بعض المسؤولين أو المثقفين، قد تقوّض جهود الشباب بدل تحسينها. ومع ذلك يبقى هؤلاء المبدعون صامتين، في مشهد يعكس غياب الحافز وملامح بيئة ثقافية معقدة لا تدعم التغيير.

الحاجة إلى تغيير الواقع الثقافي
الواقع الثقافي اليوم يحتاج إلى إعادة تقييم جادة، خصوصًا في ظل كثرة الانتقادات التي تطال الأعمال الثقافية. على المثقفين أن يدركوا أنه لا يمكنهم البقاء في دور المراقب، بل ينبغي أن يكونوا جزءًا من العملية الثقافية الفاعلة؛ يدعمون المشاريع الجديدة، ويساهمون في تصحيح المسار عند الحاجة.
على المثقفين التوقف عن الانغماس في انتقاص جهود الآخرين، والعمل معًا على تعزيز الثقافة وتطويرها لا إقصاء الآخر. فالثقافة محرك أساسي لمستقبلنا الاجتماعي، ويجب أن نتعاون جميعًا لإثراء هذا المشهد، بدل أن نكون مجرد متفرجين شامتين، وكأننا في مجتمع لا يجيد إلا الانتقاص.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights