مقالات صحفية

ميلاد القطاع الثالث الجديد: قراءة في قانون مؤسسات المجتمع المدني وإعادة صياغة العمل الأهلي

 

خالصة الصلتي

تمثل بعض التشريعات نقاط تحول تتجاوز إطارها القانوني، إذ تعيد رسم المشهد المؤسسي وتوفر أدوات أكثر فاعلية لتحقيق الأهداف الوطنية. ومن هذا المنطلق، يأتي صدور قانون مؤسسات المجتمع المدني واستحداث المديرية العامة للعمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني بوصفهما خطوة تعكس تطور العمل الأهلي في سلطنة عُمان نحو مرحلة تقوم على الحوكمة والشفافية والشراكة والاستدامة.

في سياق هذا التحول، نشأ العمل الأهلي في عُمان من قيم التكافل والتعاون المتجذرة في المجتمع، وتجسد عبر الأوقاف والمجالس العامة والمبادرات التطوعية الحديثة. ومع اتساع التنمية وتزايد التحديات الاجتماعية والاقتصادية، برزت الحاجة إلى إطار مؤسسي أكثر قدرة على تنظيم الجهود وتعظيم أثرها.

وتبرز أهمية القانون في نقله مؤسسات المجتمع المدني من التركيز على العمل الخيري التقليدي إلى الإسهام التنموي المستدام، ومن قياس الجهد إلى قياس الأثر، ومن المبادرات المتفرقة إلى العمل المؤسسي المنظم.

وفي جانب الحوكمة والتنظيم المؤسسي، عزز القانون مبادئ الشفافية والإفصاح المالي والمساءلة، وحمى موارد الجمعيات، ورسخ أسس الحوكمة والإدارة الرشيدة. كما نظم العمل الإداري وطور آليات المتابعة والرقابة، بما يسهم في رفع الثقة بالمؤسسات الأهلية.

فالثقة اليوم ترتبط بوضوح المعلومات وكفاءة الإدارة وقدرة المؤسسة على الإفصاح عن مواردها ونتائجها. لذلك أكد القانون أن الشفافية والمساءلة عنصران أساسيان لتعزيز المصداقية والاستدامة.

كما دعم القانون الممارسات المؤسسية السليمة من خلال تنظيم المسؤوليات وإتاحة الفرصة لقيادات وكفاءات جديدة تسهم في تطوير الأداء وتجديد الفكر المؤسسي.

أما على مستوى التطوير المستقبلي للقطاع، فتتضاعف أهمية هذه الإصلاحات مع إنشاء المديرية العامة للعمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني، التي يتجاوز دورها الإشراف إلى بناء القدرات وتطوير البيئة التشريعية وتعزيز الشراكات وتهيئة القطاع لمتطلبات المستقبل.

ومن الأولويات المقبلة إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة لمؤسسات المجتمع المدني، توفر معلومات دقيقة عن أنشطتها وشراكاتها ومؤشرات أدائها وأثرها، بما يدعم التخطيط وصنع القرار وقياس النتائج.

كما تزداد أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في ظل تطور مفهوم المسؤولية الاجتماعية، حيث أصبح التركيز على تحقيق أثر مستدام أكثر من مجرد الإنفاق، ما يستدعي آليات واضحة لتقييم المبادرات وتوجيه الموارد بكفاءة.

 

وفي إطار الرؤية الوطنية الأشمل، فإن ما تشهده الساحة اليوم يتجاوز التعديل التشريعي إلى إعادة تعريف دور مؤسسات المجتمع المدني كشريك رئيسي في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040. وهي مرحلة تؤسس لثقافة تقوم على الإفصاح والشراكة وقياس الأثر، بما يعزز كفاءة المؤسسات واستدامتها.

 

ويؤكد هذا القانون أن القطاع الثالث أصبح ركيزة أساسية في التنمية الوطنية. ومع ترسيخ الحوكمة وتعزيز الشراكات واعتماد أدوات قياس الأثر، ستنتقل مؤسسات المجتمع المدني من تنفيذ المبادرات إلى إحداث تغيير مستدام ينعكس على حياة الناس وجودة الحياة.

 

إنها مرحلة جديدة ينتقل فيها القطاع الثالث من إدارة الاحتياج إلى بناء الفرص، ومن العمل الخيري التقليدي إلى الشراكة التنموية، ومن النشاط إلى الأثر. وأبرز ما يقدمه هذا القانون أنه ينظم المؤسسات ويمنحها رؤية أوضح لدورها ومستقبلها.

إنه ميلاد القطاع الثالث الجديد؛ قطاع تُقاس قيمته بأثره وإسهامه في التنمية، وتُقاس نجاحاته بقدرته على تحويل الطاقات المجتمعية إلى قوة وطنية فاعلة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا لعُمان. وفي هذا الميلاد الجديد، تصبح لغة الأثر هي اللغة الأبلغ، والدليل الأوضح على نجاح مؤسسات المجتمع المدني في أداء رسالتها

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights