لا أحب الآفلين
شيماء بنت سعيد الرقادية
إنّ في قلبي مرافئ لا تُحسن وداع السفن، تُحبّ الترسُّب لا الترحال، تُراهن على المُقام لا العبور… ولهذا، لم أُحبّ يومًا أولئك الذين يُشبهون الغروب، أولئك الذين إن حضروا أضاءوا الذاكرة، وإن غابوا أطفأوا الروح.
لا أحب الآفلين…
لأنهم لا يأتون فرادى، بل يُرافقهم شتاءٌ بارد يُقيم في القلب بعدهم، يجلبون معهم الفرح، ثم ينسحبون في غفلة، ويتركون خلفهم فوضى لا تُرتَّب، وخيبات لا تُشفى.
لا أحب الأشخاص الذين يُجيدون خلع الألفة كما يخلعون المعاطف،
ولا أحب اللحظات التي تُشبه الغيم: تمرّ، تُمطر، ثم تمضي ولا تعود.
ولا أحب الفرص التي تتدلّى من حبال الوقت، ثم تسقط في هوّة التأجيل.
ولا أحب الرسائل التي تبدأ بلهفة وتنتهي بنقطة صمت طويلة لا تُفسَّر.
ولا أحب الأماني التي تتدلّى من أطراف المستحيل، تُغريك، ثم تفرُّ من بين أصابعك كقبضة ماء.
لا أحب أولئك الذين لا يستقرّون فيك،
الذين يدخلون حياتك بخفّة، كأنك محطّة مؤقتة على خريطة رحلاتهم،
الذين يُجيدون الانبهار السريع والانطفاء الأسرع،
الذين يتعلّقون بك ساعةً، ويُجيدون نسيانك دهراً.
أنا من أولئك الذين يرغبون في البقاء،
الذين لا يُحبّون العلاقات القصيرة، ولا الصداقات الهشّة،
ولا المواعيد التي لا تُحترم، ولا الكلمات التي لا تُقال بصدق.
إن قلبي لا يتقن التلوّن،
ولا يُحسن التحوّل من النور إلى الظلّ دون أن يكسِره التبدّل.
أنا لا أتكيّف مع الغياب المفاجئ،
ولا أتقبّل فكرة أن تكون بعض الفصول مجرد عابر سبيل.
لا أحب الأفراح التي تُشبه الضيوف، تأتي بلا استئذان وتمضي بلا وداع.
ولا أحب الأحلام التي لا تُكتب لها النهايات.
ولا أُطيق البدايات التي لا تنوي البقاء حتى النهاية.
أنا أشتاق للباقين،
للثابتين، للذين لا تهزّهم الرياح الموسمية،
الذين إن أحبّوا، أعلنوا ولاءهم للدفء،
وإن وعدوا، اختاروا أن يكونوا جسرًا لا قنطرة،
وسقفًا لا ظلًا متقلّبًا.
أنا أبحث عن الذين إذا دخلوا، لم يطرقوا باب القلب بل سكنوه،
لم يطلبوا إذنًا للرحيل، لأن الرحيل لم يكن يومًا في نواياهم.
عن الذين إذا حضروا، منحوا الوجود نكهة،
وإذا صمتوا، فهم يصمتون على مقربةٍ لا على مسافةٍ منسية.
لا أحب الآفلين، لأنهم ليسوا مجرّد غياب…
بل لأنهم يتركون أثرًا لا يُشفى،
يُعلّمونك أن لا تأمن لبدايةٍ مهما كانت جميلة،
ويجعلونك تُشكّك في كل حضور… حتى حضورك أنت.
