الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

سمتٌ متأصّل وعُمرانٌ خالد في زنجبار والجزيرة الخضراء

خليفة بن سليمان المياحي

لحظات جميلة أُتيحت لي لزيارة جزيرة زنجبار والجزيرة الخضراء، برفقة الإخوة الأعزاء: شامس ونبهان أبناء العم/ سالم بن سرور الذهلي. هؤلاء الإخوة وُلدوا وعاشوا طفولتهم هناك، بسبب تواجد جدّهم آنذاك/ سرور بن نبهان بن حمير الذهلي الذي هاجر من ولاية العوابي بسلطنة عُمان كسبًا للرزق أيام حكم سلاطين عُمان. وعاش فيها حتى توفّاه الله عام 1377هـ، وقد أنجب ولده الوحيد العم/ سالم الذي لا يزال مقيمًا هناك. أمّا أولاده فعادوا جميعًا إلى البلد الأم (سلطنة عُمان) في الثمانينيات، فدرسوا ثم عملوا واستقرّوا مع أسرهم وأولادهم، وهم يسافرون للجزيرة الخضراء بين الفينة والأخرى لزيارة والدهم، ولأنها كانت مسقط رأسهم، فيستذكرون أيام الطفولة ويلتقون بالجيران ويتمتعون بأوقات ضمن الحياة البسيطة المتواضعة.

إن حديثهم السابق عن زنجبار، وما قرأته وشاهدته عنها عن بُعد، ولّد في نفسي شوقًا لزيارتها. فكانت المحطة الأولى جزيرة زنجبار؛ حيث استقبلنا الإخوة المقيمون فيها من أصول عُمانية: سعيد بن محمد السالمي، وسيف بن مسلم العبري، وكان استقبالهم لنا ببشاشتهم ودماثة خُلُقهم باعثًا على انطباعٍ طيب منذ الوهلة الأولى، وأننا سنقضي وقتًا ممتعًا متنقلين بين الأهالي الذين يعرفهم أصحابي، وبين المواقع الأثرية والتراثية والتاريخية التي لا تزال شاهدة على عظمة الإرث العُماني التليد، والمجد الخالد الذي شيّده سلاطين عُمان الأفذاذ منذ أن وطئت أقدام السيد/ سعيد بن سلطان البوسعيدي تلك الأرض؛ حيث حلّ فيها الخير والنماء، وازدهر الشجر والحجر، وعمّ العمران والبناء في كل مناحي الحياة. فما من موقع هناك إلا وتجد فيه قصرًا منيفًا أو بيتًا عامرًا لسلاطين زنجبار من أسرة البوسعيد.

إن من يقف على تلك الشواهد، وما فيها من تصاميم عجيبة وفن معماري فريد وهندسة عُمانية مميزة، يقف منبهرًا! فكيف إذا علمنا أن زنجبار كانت من أوائل الدول التي وصلت إليها خدمة الكهرباء، واستُخدمت فيها وسائل النقل الحديثة مثل القطار والسيارات، في حين كانت دول مجاورة تفتقر إلى مثل هذه الخدمات آنذاك؟ والحقيقة أن الحديث عن الآثار والقصور السلطانية يطول، ولكنني أقف عند محطاتٍ عابرة، ونماذج يسيرة من مئات الأمثلة التي لا تُحصى، ومنها مشاهدتي لأحد المنازل للأسرة البوسعيدية إذ يُغذّى بالماء الذي يجري من مسافة بعيدة عبر سواقٍ بُنيت على جسور عالية ليصل الماء إلى داخل البيت والحديقة الكبيرة المحاذية للبحر. وكانت تلك الجسور المعلّقة لا تعيق المسير من تحتها إلى أرجاء الحديقة، وفي الوقت ذاته يجري الماء بانسياب في الأعلى ليصل إلى كل نواحي القصر.

وفي منزلٍ آخر ما يثير الإعجاب في البناء والدّهشة في الإتقان؛ في طريقة تصريف المياه إلى البحر، وبناء الجسور الداخلية، واستخدام دورات المياه بأساليب تبعث على الدهشة كونها أُقيمت بتلك المواصفات منذ مئات السنين.

ومشهد آخر وقفتُ عنده منبهرًا: وهو موقع عصر قصب السكر، حيث يُجمع الماء في خزان أرضي في الأعلى، وتُخصّص له فتحة تسمح باندفاعه بقوة عبر ساقية، وعند خروجه يمرّ على آلة عصر السكر، فيقوم الماء بتدوير الطاحونة، وبدورها تدور آلة العصر لتعصر القصب، ثم ينتقل العصير عبر قناة صغيرة إلى موقع الطبخ. وقد أُعدّت مواقع مستقلة لمراحل الإنتاج، وأماكن التجميع والتصدير، علمًا بأن القصر محاذٍ للبحر لأنه كان الوسيلة الوحيدة آنذاك للسفر إلى خارج الجزيرة.

وربما يتساءل البعض: لماذا كل هذا الإعجاب؟
فأقول: لأن مثل هذه الابتكارات —في ذلك الزمن— لم تكن موجودة في كثير من بقاع العالم، وقد تفرد بها العُمانيون، فظلت شاهدًا على هندستهم البديعة. ناهيك عن البناء المحصّن بأسوار عالية، وما تحتويه القصور من حدائق غنّاء تضم أنواعًا شتى من الفواكه المثمرة، وأشجار الزينة ذات الألوان الجميلة والزهور المتنوعة، مما أكسب المكان رونقًا وجمالًا. وإن ظهر لبعض الآثار شيء من الاندثار؛ إلا أن الحدائق والأشجار ما تزال جميلة يانعة تُسعد برؤيتها العيون وتنعش الأفئدة.

بعد ثلاثة أيام، انتقلنا إلى الجزيرة الخضراء عبر الطيران الداخلي، واستغرقت الرحلة نصف ساعة بين الجزيرتين. وما إن وصلنا إلى بيمبا أو الجزيرة الخضراء حتى استقبلنا أخونا العزيز/ حمير بن سالم الذهلي، وكان وقتها متواجدًا مع والده في زيارته المعتادة. وصلنا إلى المنزل ليلًا، وقد استقبلنا أحسن استقبال، وهيّأ لنا الإقامة المناسبة؛ فالكرم العُماني الأصيل لا يزال حاضرًا في الجزيرتين، ولا يزال ترحابهم بالزائرين محل فخر واعتزاز.

هناك التقينا بالعم المضياف/ سالم بن سرور الذهلي، فأبدى سروره وفرحته بمقدمنا. وعلمتُ بعدها أن أي زائر للجزيرة من سلطنة عُمان لا بد له من لقائهم وتقديم واجب الضيافة له؛ وهي صفة نبيلة بقي محافظًا عليها حتى الآن. ومما شدّ انتباهي في الجزيرة تطابق الشبه بينها وبين أرياف ظفار في وطني الغالي سلطنة عُمان؛ حيث تكتسي الخضرة عموم الجزيرة، وتملأ الأشجار الشوارع والسهول والجبال، مما يزيد من حيوية الناس ونشاطهم… كل ذلك أبقى في نفسي أثرًا جميلًا ورغبة في تكرار الزيارة.

وقد لفت نظري وأثلج صدري وجود السمت العُماني الأصيل هناك؛ ممن هم من أصول عُمانية أو من الأفارقة، فتجد الكبير والصغير يبادرك بالتحية والسلام من بعيد، فتلمس فيهم بهجة الترحيب والفرحة الصادقة بمقدم الزائرين. كذلك اللباس العُماني لا يزال حاضرًا بنسبة كبيرة بين قاطني الجزيرتين.

لقد أسهم العُمانيون الذين بقوا هناك في ترسيخ الحضارة العُمانية في الإنسان قبل البنيان. فهنيئًا لنا ذلك التاريخ الشامخ الذي خلّفه الآباء والأجداد، فكانوا ولا يزالون وسيظلون مضرب المثل في الخُلُق الرفيع والسمت الأصيل.

وكان مسك الختام في اليوم الأخير لزيارة الجزيرة الخضراء حين التقينا بالأخ العزيز الكاتب والأديب الأستاذ/ ناصر بن سعيد الرواحي، والذي لُقِّب بـ”حفيد سيبويه”؛ كونه يتحدث باللغة العربية الفصحى منذ طفولته وحتى اليوم. وقد دعانا إلى منزله فأكرمنا خير إكرام، وكانت الجلسة لديه مفعمة بالأُنس والألفة. وعلمتُ أن جُلَّ اهتمامه ينصبّ في العمل التطوعي ومساعدة أبناء المجتمع في بناء المساجد ومدارس القرآن الكريم والمنازل للأيتام والمحتاجين. كما تتجسّد في شخصه الكريم عنايةٌ خاصة باللغة العربية وتعليمها، فضلًا عن تأليفه للكتب الأدبية والثقافية؛ إذ صدرت له أعمال أدبية منها رواية بعنوان: «هذه الثريا.. فأين سهيل»، بالإضافة إلى مجموعات أخرى من المقالات الأدبية والقصائد الشعرية. وقد أسّس “كلية سمائل” في الجزيرة الخضراء ليواصل رسالته الثقافية والإنسانية هناك. ويبقى منزله عامرًا بالزوّار بين مُقبلٍ وراحل.

فبارك الله فيه، وفي أمثاله من أبناء وطني الغالي سلطنة عُمان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights