قَضَاءُ الله: نَافِذَةٌ عَلى جَوْهَرِنَا
إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي
الحزن ليس حدثًا طارئًا، إنما هو حقيقة وجودية وحتمية نسعى لتجاهلها هروبًا من الواقع وتجنبًا للألم. إنه يُجرّد الحقيقة التي لم نستعد لرؤيتها لأنه يكشف هشاشتنا، لكنه –على النقيض تمامًا– قد يستخرج القوى الدفينة التي لا يراها غيرنا. ولعلي أجزم بأنني تعلمتُ أنه ليس خصمًا، بل هو نافذة على جوهرنا لنواجه ما نخشاه في أكثر لحظات الوعي نصوعًا، وهنا أحكي لكم قصتي مع انكشافي على الحزن.
في شهر يونيو من عام 2009، كُتِب لي أن أعرف معنى الفقد والحصد في آنٍ واحد؛ فقد وُلِد ابني البكر في الثالث عشر من الشهر، وفي اليوم نفسه نُقِل أبي الحبيب إلى المستشفى السلطاني بعد أزمةٍ صحيةٍ لازَمَته سنوات طويلة؛ لكنها هذه المرة أحكمت قبضتها على ذلك الصدر الذي يحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والأدعية التي كان يصدح بها بعد كل صلاةٍ بقلبٍ خاشعٍ منيب.
ذلك الصدر الذي كان يحتضن قلبًا ناصع البياض؛ فقد كان والدي يقبّل أيدي الأطفال حين يسلّمون عليه حبًّا ورحمةً بهم، وكان يجهّز العيدية في أظرفٍ بيضاء كي لا ينسى حفيدًا، ولا قريبًا، ولا جارًا، ولا أي طفلٍ اعتاد أن ينال شيئًا مما عنده. كان والدي معلّمًا للقرآن الكريم، ومؤذّنًا للمسجد، ثم صار الإمامَ المعتمَدَ له. وكانت إمامة المسجد أقرب المهام إلى قلبه وأشرفها في نظره؛ كان يعود إلى البيت ليحكي لنا بشغف عن شؤون المسجد، فيفرح حين تُحلّ عقدة، ويحزن حين تتفاقم أخرى. وفي ظني أنّ المرض لم يكسر جسده بقدر ما كسر قلبه عندما أبعده عن محرابه الذي أحبّه وقدّسه.
سأتجاوز مناقب والدي التي لا تُعدّ؛ فلن أنتهي لو استرسلت. أمّا حديثي الآن، فعن أعظم حدثٍ في حياتي.
حمدتُ الله على سلامة ابني وزوجتي، وفي المقابل واصلت زيارة والدي في المستشفى، حيث كانت حالته الصحية غير مستقرة. اجتهد الأطباء في البحث عن سبب المرض الذي ظهر فجأة؛ فلم يكن أبي يشكو يومًا من آلامٍ في الرئة، بل كانت معاناته مع القلب ورحلته الطويلة مع السكري والضغط.
توالت الأيام حتى ذلك اليوم الذي سبق الانتكاسة، حين طلب مني أن أُريه صورة “المولود الجديد”، ليكون ذلك آخرَ ما يطلبه مني. ثم قال لي بعطف الوالد الوقور، ولغة الناصح المُربّي: «يا بُنيّ، اذهب وصلِّ الفجر ولا تُؤخِّرها». فكانت آخرَ وصيةٍ سمعتها منه. في اليوم ذاته تدهورت حالته، واستشارني الأطباء في إمكانية وضعه تحت أجهزة التنفس الاصطناعي الكامل. فسألتهم: «هل هناك خيار آخر؟» فقالوا: «لا». اتصلتُ بأخي فورًا، فقال: «افعل ما يقوله الأطباء، فليس لدينا إلا هذا الخيار، والله خير حافظ».
أثناء عملية التخدير، كانت نظراتُ طبيبةِ التخدير تلاحقني، ولم أفهم معناها إلا عندما فاضت روح أبي الحبيب إلى بارئها في الثلاثين من يونيو، بعد سبعة أيام من دخوله إلى العناية المركزة؛ تلك الغرفة التي يشعر المرء فيها بأنها إمّا طوق نجاة، وإمّا ثلاجة موتى. ولأننا مؤمنون بقضاء الله، تلقّينا الخبر بصبر المحتسب الراضي بحكم الله: «لكل أجلٍ كتاب».
انهرتُ ثم تماسكت، لكنني لم أستطع تمالك مشاعري، رغم أنني وعدتُ نفسي بأن أكون قويًا كي تراني أمي وإخوتي ثابتًا ليستندوا بي؛ لكن الدموع كانت تخونني كلما رأيت صديقًا أو قريبًا. وبصدق، فإن وفاة أبي أنستني فرحتي بابني البكر، حتى ظنّت زوجتي أنني غير سعيد بقدوم تلك الهدية الربانية —وهل يُعقل هذا؟— وهنا تذكرت بيتًا لأبي العلاء المعرّي حين قال:
تَعِبٌ كلُّها الحياةُ، فما أعجبُ
إلّا من راغبٍ في ازديادِ.
إنّ حزنًا ساعةَ الموتِ أضعافُ
سرورٍ ساعةَ الميلادِ.
وفي خاطري قلتُ: لو لم أسمع هذين البيتين لقلت ما يطابقهما، بمشاعر لا تختلف عما أراد الشاعر تصويره.
وبعد فترةٍ حدّثت نفسي قائلًا: حقًا أنا محظوظ؛ فقد حظيت طوال ثلاثين عامًا بأبٍ حنونٍ وفاضلٍ وكريم، أبٍ أفخر بالإرث الذي تركه لنا كعائلة من علمٍ، وأدبٍ، وخلقٍ، وتواضع. ولعل أعظم ما تركه لنا هو حبّ الناس؛ فقد كان اسمه —رغم بساطة حاله— لامعًا في منطقتنا بطيبته وحكمته وبصيرته.
في رأيي، وجودُ الإنسان في حضن أسرةٍ محبة، وأبوين فاضلين، يضعه في مصافّ السعداء؛ خاصة إذا نشأ محاطًا بالحب، فهو أفضل حالًا ممن وُلِد يتيمًا أو عاش في أسرة متشرذمة. ما أردتُ قوله في هذا المقام أنّ الله يغمرنا بنعمٍ لا ندرك قدرها إلا بفقدها. فاللهَ اللهَ في أهليكم، وأخصّ الأمَّ والأب؛ فهما جناحا البيت، ما إن يُكسر أحدهما حتى تفقد الأسرة قدرتها على التحليق كما كانت.
وأختم بدعاء: اللهم اغفر لموتانا، واغسلهم بالماء والثلج والبرد



