في قلب الغياب.. أنت الحضور

عبدالله بن سيف البراشدي
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾
سورة الأحقاف، الآية 15
ما أقسى الغياب حين يكون وجعا لا يرى،
وما أعمق الحضور حين يسكن القلب دون جسد يلمس.
أمي الحبيبة،
رحيلك لم يفرغ المكان فحسب، بل ترك في قلبي فراغا لا يعوض — فراغ الأمان، والحنان، والطمأنينة التي كانت تنساب من نظرتك، وتفيض من دعائك.
رحمك الله، يا من كنت نعمة أنزلها الرحمن في دنياي، فكنت لي الملاذ حين تضيق السبل، والضياء حين تظلم الدروب.
كنت الملجأ حين يضيق الكون،
واليد التي تمدني دون أن أسأل،
والقلب الذي ينبض من أجلي قبل أن ينبض لنفسه.
لم تكن غيابا يوما بل حضورا أعمق من الجسد، وأبقى من الزمن.
ذكرياتك لا تخبأ في الذاكرة،
بل تعيش في نبضات قلبي،
توقظني في الليالي،
وتهدئني في اللحظات،
كأنك لم ترحلي… بل ارتحلت إلى مكان أرفع، لتكوني أقرب إلى السماء وأقرب إلى قلبي.
وأنا، وإن طال البعد، فلن أبرح الدعاء لك:
اللهم ارحمها برحمتك الواسعة، واغفر لها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ووسع مدخلها، ونور عليها في قبرها، واجعل الجنة مستقرها ومثواها.
أمي،
أنت اليوم حيث الراحة التي لا تنهك،
والسلام الذي لا ينغص،
والحب الذي لا يخالطه ألم.
أسكنك الله جنات النعيم،
وأسعدك مع الصالحين والصديقين،
والملائكة المقربين،
تحت عرش الرحمن، حيث لا دمعة… إلا دموع فرح عند اللقاء.
فإن غابت عيناي عن رؤيتك،
فإن قلبي لم ولن يتغيب عن حضورك.
فأنت يا أمي في قلب الغياب.. أنت الحضور.
