الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

انكماش الرجولة ..

   صالح بن ناصر المحروقي

اعتدنا أن نسمع في الأخبار عن الانكماش الاقتصادي، أو عن تقلّص الإنتاج والموارد، لكن ما كنتُ أتخيّل أن نصل إلى زمن أُضطر فيه للحديث عن انكماش الرجولة.

ولا أقصد بالرجولة هنا الجوانب الجسدية أو الصفات الشكلية التي اعتاد الناس ربطها بها، بل أعني تلك المعاني التي لا تستقيم الحياة إلا بها، كتحمّل المسؤولية، والقدرة على الحزم، والوقوف بثبات في وجه التحديات، والتزام الدور الطبيعي في الأسرة والمجتمع.

أخرجُ كل يوم فأجد النساء في الشوارع، ومواقع العمل والأسواق أكثر حضوراً من الرجال، وليست المشكلة في خروج المرأة بقدر ما هو في انقلاب الموازين، فبينما ترتفع نسب النساء العاملات تتزايد البطالة بين الشباب، وفي الوقت الذي تتحرك فيه المرأة في المساحات العامة بكل جرأة وثقة، ينكفئ كثيرٌ من الرجال على نفسه، كما لو كان الواقع يعيد رسم الصورة ولكن بوجهٍ آخر.

كبر حضور المرأة لأنّ الخطاب العالمي دفعها إلى ذلك، ولأنّ المجتمع احتفى بسلطتها الجديدة، ولأنّ القوانين منحتها مساحة أوسع من مساحة الرجل، حتى نشأت لدى كثير منهن قناعة بأنّ القيادة حق مكتسب لهن، وأنّ سلطة القرار امتيازٌ يجب التمسك به، وأنّ الرجل عائقٌ أمام هذا التوسع.

ما لا تريد كثيرٌ من النساء فهمه والإقرار به هو أنّ سلطة الرجل حين تضعف داخل البيت فإنّ الأسرة كلها تتأثر، فالمرأة مهما بلغت من العلم تبقى أقرب للعاطفة، ويظل الرجل هو الأقدر على الثبات، ولأجل هذا جعل الله تعالى القوامة للرجل، فهو الأصلح لحمل هذا العبء، وهو الأقدر على ضبط الاتجاه في اللحظات الصعبة، فدور الأم هو أن تمنح الحنان، ودور الرجل هو تحديد الاتجاه، ومن دون هذا التوازن تضطرب الأسرة ويضيع الاستقرار.

ويتسع الخلل أكثر حين تتدخل الدولة في تفاصيل الأسرة، فتفرض قوانين تجعل الرجل متردداً في استخدام الحزم لتربية أبنائه، ومقيّداً في فرض قوامته على زوجته، ومع هذا الهاجس من الثقل القانوني يخسر الأب مكانته الطبيعية، ويلازمه شعورٌ بالعجز تجاه ممارسته لدوره كقائد في أسرته.

وفي المقابل، وجدت المرأة نفسها في موضع قوة، واعتبرت استقلالها الاقتصادي دافعاً لها لمزيد من التمكن، وتشك في وعيها شعورٌ عميق بأنّ حياتها لا تتوقف على الرجل، مما غيّر نظرتها نحو الزواج والاستقرار، ولأجل ذلك ارتفعت نسب الطلاق، وتراجعت رغبة كثير من الفتيات في الارتباط، وانقطع خيط التكامل الذي كانت تقوم عليه الأسرة منذ أجيال.

ولتقريب المشهد أكثر، فإنّ كثيراً من البيوت تُدار اليوم بلا حضور حقيقي للأب، فتتولى الأم الإنفاق وتسيير شؤون الأسرة، ويعيش الأبناء بلا مثال واضح للرجولة التي يفترض أن تمنحهم الاتجاه والقوة، ويكبر هذا الفراغ التربوي مع تراجع مكانة الرجل وحضوره، وهكذا تتأثر الأجيال الجديدة بنموذج غير مكتمل لا يشبه ما عرفته المجتمعات طوال تاريخها.

أريدُ للرجل أن يسترجع ثقته بنفسه، وأن ينهض من داخله ليستعيد صلابته، وأن يقف في موضعه الطبيعي داخل أسرته ومجتمعه، فالرجل لا يستعيد مكانته بقرارات خارجية، بل بعودته إلى ذاته، وبالتزامه بواجبه، وبإعادة بناء صورته أمام من حوله عبر الفعل والمسؤولية.

وأريدُ للمرأة أن تعود إلى مساحتها الفطرية التي عاشت فيها طوال الأجيال الماضية، وأن تستعيد دورها الذي يقوم على العاطفة والرعاية، بعيداً عن القوة المصطنعة التي صارت عبئاً عليها وعلى بيتها، فليس كل تمكين مكسباً، وليس كل استقلال رفعة، والبيت لا يستقيم حين يغيب عنه الدور الطبيعي لكل طرف.

لن يعرف هذا المجتمع الاستقرار إلا إذا عاد الرجل إلى مكانه الصحيح، ولن تنجح الأسرة ما دام التوازن فيها مختلاً، ولن ينهض الجيل القادم ما لم يتربَّ في ظل بيت يقوده رجل.

أكتب هذا المقال وكلِّي غيرة على ما تبقى من معاني الرجولة، وأرفضُ كرجل أن يتحول هذا الانكماش إلى واقع دائم، وأؤمن بأنّ حضور الرجل هو الميزان الذي تُقاس به عافية المجتمع، وأنّ صورته حين تستقيم تستقيم معها الأمة كلها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights