ازدحامٌ على طريق المحتاجين

صالح بن ناصر المحروقي
خرج أحد أبناء هذا البلد قبل أيام يعرض مساعدة الأسر التي انقطعت عنها الكهرباء، يتواصل مع الشركة، ويجمع من الخيرين ما يعيد الدفء إلى البيوت المعسرة، كان يتوقع طلبات محدودة، لكن هاتفه امتلأ خلال ساعات بستة آلاف رسالة، مشهدٌ يكشف جانباً خفياً لا تحكيه الأرقام وحدها.
لقد كشف هذا التدفق الهائل للطلبات سلوكاً شائناً عند بعض الناس؛ يدفعهم إلى التوجّه نحو أي باب للدعم، ولو لم يكونوا بحاجة له، معتبرين أنّ أي فرصة للإستفادة مبرّراً كافياً لمزاحمة المحتاجين بصدق.
وتتجلى الظاهرة ذاتها في برامج الدعم المختلفة، فعندما أعلنت الحكومة عن البرنامج الوطني لدعم الوقود، اندفع نحو التسجيل أفرادٌ يعرفون تماماً أنهم خارج دائرة الاستحقاق، وحدث الأمر نفسه في مبادرات دعم أبناء المعسرين للشراء من المقاصف المدرسية، حيث تقدّم لها من يعيشون في وضع مالي مُريح.
وفي الجمعيات الخيرية تتسع الصورة أكثر، فهناك لجان تبحث عن محتاج فتصلها طلبات لأشخاص لديهم ما يكفيهم وزيادة، ومع ذلك يحرصون بضراوة على نيل نصيبهم من تلك المساعدات.
وظهر المشهد بأقبح صوره أثناء إعصار شاهين، حين اندفعت مجموعات للإستيلاء على المساعدات، بينما كانت بيوت قريبة منهم تبحث عن الماء والطعام، وكان ذلك مؤلماً لأنه كشف عن وضاعة بعض النفوس اللئيمة حولنا.
بل إنّ مبادرات رجال الخير، كحملات المرحوم بهوان في سنواته الأخيرة، شهدت الظاهرة ذاتها، إذ تلقّت الفرق طلبات من أسر ميسورة معتبرة أنّ وجود فرصة للدعم سبباً كافياً لتسجيل أسمائها مع المحتاجين.
وينبع هذا السلوك من شعورٍ تراكم في أذهان هؤلاء بأنّ الفرص لا تصل إلى أصحابها إلا إذا تقدّموا إليها بأنفسهم، وأنّ الحقوق ينالها من سبق إليها أولاً، ولعلّ بيروقراطية المؤسسات الحكومية السابقة أسهمت في ترسيخ هذا التصور، فالمراجع اللحوح كانت معاملته تُنجز بسرعة، بينما يبقى غيره في الانتظار طويلاً.
ومع الوقت تحوّل هذا التصور إلى ثقافة شعبية تُعامل كل إعلان للدعم على أنّه حقٌ مكتسب للجميع، مع أنه بالأساس مخصّصٌ لفئة بعينها، وهكذا تلاشت الحدود بين المستحق والمدّعي، ووجدت الجهات نفسها أمام ازدحام يحجب الصوت الأحق بالرعاية.
وهذه الظاهرة القبيحة تُعزز الأنانية في المجتمع، وتصنع أجيالاً من الشحاذين الذين يتوهمون أنّ إدّعاء الحاجة شطارة، فتتبدد الموارد المخصصة للدعم، وتفقد البرامج غايتها التي وجدت لخدمتها.
نحن بحاجة إلى توازن يستعيد معنى العدالة، فالمحتاج له حق، ومن استغنى فعليه الإستعفاف، كما ينبغي أن تُعلن المؤسسات بوضوح أنّ الدعم أمانةٌ وطنيةٌ وإنسانية، وأنّ التزاحم لا يغيّر معايير الاستحقاق.
وما لم يتوقف القادرون عن اقتناص ما لا يخصّهم، سيظل الإنسان الضعيف بعيداً عن حقّه المشروع، بينما تتسع الفجوة بينه و بين الذي يمدّ يده بغير حاجة، وحينها يفقد المجتمع توازنه، وتضيع معالم العدالة التي لا يقوم وطنٌ بدونها.



