انطلق مهرجان الدن الدولي للمسرح …جمال بين الفكرة والطموح

بقلم: أحمد معروف اليافعي
في عُمان، حيث تنبض الأرض بعبق التاريخ وتتنفس السماء رائحة الفن، انطلق مهرجان الدن الدولي للمسرح – ياهلا بالعالم في فضاء واسع من الشغف، على ساحة الجمعية العُمانية للسيارات، محمّلًا بأحلام المسرحيين ووهج الضوء.
ثلاثة مسارات كان المسرح فيها سيّد الحضور: مسرح الكبار، مسرح الطفل، ومسرح الشارع، وبينها نسجت الفعاليات المصاحبة خيوطًا من الشعر والمعارض والعروض المتنقلة، في امتداد جميل من 24 حتى 30 نوفمبر، تحت رعاية سعادة سعيد بن سلطان البوسعيدي.
جاء الافتتاح لوحة وطنية متقنة، أوبريت يُنشد الأرض ويعانق السماء، ثم تكريم لروّاد حملوا على أكتافهم ذاكرة المسرح العُماني. وخُتم المشهد بأوبريت «مجد أمة» الذي أعاد إلى الأذهان تاريخ الأسرة الحاكمة، ومسيرة النهضة، وعمق الإنسان العُماني في جذور هذا الوطن.
جمال الفكرة… وضوء الطموح
لا يمكن إغفال الصورة الباهرة للمسارح المشيدة في خيام ضخمة، مكيّفة، مُهيّأة لاستقبال الجمهور بشغف يليق بالمسرح. كانت الفكرة جميلة، والطموح أكبر، والجهد ظاهرًا يفيض احترامًا للفن.
غير أن الجمال لا يكتمل بلا تفاصيل. فقد بدا أن المدرجات لا تعانق الخشبة كما ينبغي، وأن خطّ النظر ليس صديقًا للجميع، وكأن الرؤية تحاول أن تجد مكانًا لها بين المقاعد.
والمفارقة أن المسرح، الذي وُلد ليُرى، كان يحتاج إلى قليل من العناية ليكشف نفسه بوضوح.
الارتجال… ظلّ يطارد التنظيم
رغم جمالية المكان وروح الفكرة، تسلّل إلى المشهد شيء من الارتجال.
السجادة الحمراء التي يُفترض أن تكون ممشى للهيبة، بدت في بعض اللحظات سريعة الإيقاع وغير محكمة الخطوات.
أما تنظيم استقبال الضيوف والصحفيين، فشابه شيء من العجلة، فأفقد اللحظة جزءًا من سحرها.
وهذه الملاحظات لا تخص مهرجان الدن وحده؛ بل هي ظاهرة تتكرر في عدد من فعالياتنا الثقافية، وتحتاج إلى يدٍ خبيرة ترتّب التفاصيل كما يرتّب الشاعر قافيته.
الفنان العُماني… نجم يتوهّج حين يُنصف
المؤلم حقًا أن ترى فنانًا عُمانيًا كبيرًا يجلس في الخلف، بينما تُمنح الصفوف الأمامية لغيره ممن لا يحملون ذات البصمة الفنية أو الحضور الإبداعي.
الفنان العُماني ليس ضيفًا عابرًا؛ إنه من روح هذا المكان، ومن نسيجه، ومن عمق هويته.
وعندما يشعر بالتهميش في أرضه، يخفت الضوء قليلًا مهما كان المشهد جميلًا.
الافتتاح… نبض يحتاج إلى مخرج عاشق
الافتتاح ليس مجرد بداية؛ إنه الدفقة الأولى للقلب.
وبدون إخراج محترف يملك حس الصورة وإيقاع اللحظة، يفقد الافتتاح شيئًا من تأثيره.
وليس عيبًا أن نستعين بمخرجين من محافظات أخرى؛ فالتنوع ثراء، والإبداع لا يقيم في مكان واحد.
كما يجب أن يكون البرنامج اليومي للضيوف واضحًا، محدّثًا، ومنظمًا، لأن النظام يمنح الجميع شعورًا بالاحتواء ويزيل عن اللحظة أي ارتباك.
توزيع الأدوار… سرّ لا يراه الجمهور لكن يشعر به
في أي مهرجان، تتقاطع المهام كخيوط دقيقة تُنسج منها سجادة واحدة.
ولا يجوز أن يصبح المخرج منظمًا للكراسي، أو يتحوّل المذيع إلى علاقات عامة، أو يعمل المنسق كمخرج.
لكل وظيفة روحها ودورها، وعندما تختلط الأدوار يضيع الإيقاع وتتشوّه الصورة.
أما العدالة في الفرص الإعلامية فهي ضرورة لا ترف؛ فالفنان الحقيقي يُقاس بعطائه، لا بمعارفه.
بين الفكر والطموح… رسالة محبة
يحمل مهرجان الدن فكرة جميلة وطموحًا يليق بعُمان.
وكل ما يحتاجه في السنوات القادمة هو:
• تنظيم أدقّ
• لجان متخصصة
• إخراج مهني للفعاليات
• مساواة في التعامل مع الضيوف والفنانين
• والابتعاد عن الارتجال
فالمهرجانات مرآة الوطن، وما يظهر فيها ينعكس على صورته في عيون العالم.
حفظ الله عُمان، وحفظ قائد نهضتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، وحفظ هذا الشعب الذي يصنع الفن بيد، ويصون الأرض بالأخرى.



