السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

حين يتولّى الله أمرك .. ينفتح في قلبك بابٌ لا يُغلق

      محمد بن سعيد بن مبارك العلوي

في لحظات الزحام الداخلي، حين تتراكم الهموم وتتزاحم المخاوف، ويشعر الإنسان بأن الأبواب أغلقت في وجهه واحدًا تلو الآخر؛ يبقى هناك باب لا يُغلق… باب السماء.

فمهما تعثرت خطواتنا، يبقى الله هو المعين، وهو القادر على أن يُغيّر حالنا في طرفة عين،

﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ (سورة يوسف: 52).

ولأن القلب يعرف طريقه إلى الله مهما تاه، نعود دائمًا لنقف على عتبة الإمتنان، نشكره على ما وهب، وما منع، وما كتب وما لطف.

فنحن نؤمن بأن الله إذا أراد شيئًا، أتى به دون أسباب، لأن أمره سُبحانه لا يحتاج إلى مقدمات ولا ترتيبات. وقد قال جلّ شأنه:

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (سورة يونس: 107).

ومعنى هذا أن الفرَج قد يأتيك في لحظة، وأن حاجتك قد تُقضى من طريق لم ترسمه، وأن الخير قد يكون أقرب إليك مما ظننت.

فكم من إنسان حاصرته الظروف، فلما ضاقت به الحيل، فتح الله له بابًا لم يخطر على قلبه قط، وقد قال النبي ﷺ:

“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.” (رواه الترمذي)

ولذلك نقول بثقة: عوض الله سيأتيك فوق ما كنت تتمناه ولو بعد حين وإن طال الزمن سُيعاقب كُل من ظلمك.

ليس من باب المجاملة الروحية، ولكن لأنها حقيقة قرآنية دلّ عليها قوله تعالى:

﴿ عَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ (سورة البقرة: 216).

فالخير ليس دائمًا فيما نختار، بل فيما يختاره الله لنا. وقد يتأخر العطاء لحكمة، وقد يُصرف عنك أمرٌ كنت تعدّه أمنية العمر، ثم تكتشف بعد حين أن اللطف كان في المنع وليس في المنح.

إن الثقة بالله ليست مجرد شعور؛ إنها سكينة تتسلل إلى القلب شيئًا فشيئًا حتى يطمئن تمامًا أن تدبير الله أحكم، وأن رحمته أوسع، وأنه لا يترك عبدًا لجأ إليه.

لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (سورة الطلاق: 3).

وما أعذبَ لحظة يدرك فيها المؤمن أن الله يُدبِّره، يحفظه، ويختار له الأجمل، وإن لم يفهمه الآن.

فالله سبحانه وتعالى يستبدل الأسباب إذا شاء، ويُبدّل الحال بحال، ويُغلق بابًا ويفتح أبوابًا أخرى، لأن رحمته لا تُقاس بعقولنا، ولطفه لا يُدرك بحواسنا.

وإذا تولّاك الله بلطفه، وجدت رحمته في أضدادها؛ مرضٌ يرد الروح إلى الله، تأخيرٌ يمنع ضررًا، حاجةٌ تُسدّ من حيث لا تدري، وخوفٌ يُبدّله الله أمنًا.

وكم من مهموم بات يطارد الحلول، ثم أصبح على فرَجٍ لم يخطر له في بال.

ولذلك جاء في كتاب الله:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ (سورة الشعراء: 217)

رسالة واضحة أن التوكل عمل قلبي، وأن العطاء بعدها وظيفة إلهية لا يخيب معها أحد.

فالله يرى قيامك، ويسمع نجواك، ويعلم ما في صدرك، فلا يضيع رجاءً رُفع إليه بإخلاص.

ومهما ضاق صدرك أو ثقل همّك، فهناك خطوة واحدة تكفي ليفتح الله لك كل الأبواب: أن تفوّض أمرك إليه.

فقد قال سبحانه:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ (سورة الزمر: 36).

وفي ختام هذه المعاني العظيمة، يبقى في القلب يقين لا يتزحزح:

إن الله لا يخذل من قال بقلب صادق، وضمير مطمئن:

فقول “حسبي الله ونعم الوكيل.” ما هو إلا إتصال مباشر مع الله عز وجل وتسليم الأمر له لينصرك على كُل من ظلمك…

قال تعالى: “وأفوض أمري إلى الله إن الله بصيرًا بالعباد” (سورة غافر: 44)

هذه الآيات الكريمة والدعوات ليست كلمات تُقال لتسكين الخوف، بل عهدٌ من العبد مع ربّه أن يسلمه الأمر كله، وأن يترك التدبير لمن بيده ملكوت كل شيء.

فثق بالله، وتيقّن أن ما ينتظرك أجمل مما فقدت، وأن ما كتبه الله سيأتيك في حينه، في ضوء فجرٍ جديد أو مساءٍ تبتسم فيه الأماني.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights