الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

هل آنَ لنا أن نتفلسف؟

    صالح بن ناصر المحروقي

منذ قرونٍ طويلة، والفلسفة في الوجدان العربي تُعامل كأنها بابٌ إلى الشك، أو سلمٌ إلى الإلحاد، مع أنها في حقيقتها ليست سوى بحثٍ عن المعنى، ومحاولةٍ لفهم العالم بسؤالٍ هادئ وعقلٍ مفتوح، وما زال الكثيرون يظنون أن التفلسف خروجٌ عن الدين، مع أن الدين نفسه لا يقوم إلا على وعيٍ ورؤيةٍ وتأمل.

وليس سرّاً أنّ شرارة الخصومة اشتعلت منذ نقد أبي حامد الغزالي لبعض مباحث الفلاسفة، ثم شاع في المخيال الشعبي أنّ الغزالي هدم الفلسفة، بينما هو الحقيقة نقد أخطاءً محددة في الإلهيات، وأبقى أبواب المنطق مفتوحة، بل دعا إليه، وقال في بعض كتبه أنّه من لم يعرف المنطق فلا ثقة بعلمه، وهذا تصريحٌ خطيرٌ كان ينبغي أن يعيد للفلسفة مكانها الطبيعي في فهم النص والوجود معاً.

والذين يربطون بين الفلسفة والإلحاد ينسون أنّ الفلاسفة الأوائل من سقراط إلى أفلاطون وأرسطو ما كانوا ملحدين، بل كانوا مؤمنين بمبدأ خالقٍ ينظم الكون، وإن أخطؤوا في تصوراتهم تجاه هذا الخالق، فإنهم كانوا يرون في العقل أداةً للكشف عن الحقيقة، ولئن كان الغرب المسيحي قد دخل دهراً طويلاً من الظلام بسبب تحالف الكنيسة مع فلسفةٍ موروثة، فإن الإسلام لم يكن يوماً خصماً للعقل ولا عدواً للمعرفة.

وحينما طغت في أوروبا فلسفاتٌ تُقصي الإيمان، فإنما كان ذلك ردّة فعلٍ على قمعٍ كنسي، أما نحن فلم نعش القمع نفسه، ولم تكن شريعتنا يوماً خصماً للتفكير، بل كان القرآن دعوة صريحة للتعقل والتبصر والتدبر، إذ يفيض في آياته بتقدير النور الذي يبعثه العقل في النفس، ويجمع بين الهداية والإدراك كما يجمع القلب بين النبض والدم.

إنّ الفلسفة ليست بديلاً عن الإيمان، بل هي سعي الإنسان ليفهم موقعه في الكون، وهي التي من رحمها خرجت العلوم، ونشأت طرائق البحث، وتأسست الفيزياء والرياضيات والمنطق، ورفض الفلسفة ليس رفضاً لفرعٍ من فروع المعرفة، بل هو رفضٌ لأصل المنهج العلمي كله، وقطعٌ للجذر الذي يمدّ العقل بقدرته على التساؤل.

ولا يمكن أن ننسى أنّ الفلاسفة المسلمين أنفسهم، من الفارابي وابن سينا وابن مسكويه وابن رشد حافظوا على الجسر بين العقل والوحي، وقدموا نموذجاً في الجمع بين التفكير والإيمان، وكان تأثيرهم على الحضارة الأوروبية الحديثة أعظم من تأثير كثير من فلاسفتها، فقد نقلوا إليها المنطق، ووضعوا لها أُسُس النهضة التي استفادت منها بعد قرون.

لقد كان من نتائج ابتعاد المسلمين عن الفلسفة أن خيمت على عقولهم حالة من الجمود الفكري، وغلبت عليهم الوعظية، وسطا على وجدانهم خوفٌ من السؤال، وصارت أي محاولة للتفكير العميق تُقابل بالاتهام، فتراجع الأسلوب المنهجي، وضعف الحس النقدي، وابتلعت الخطابة قدرتنا على رؤية الأسباب والنتائج، وأصبحنا نكرر ما نسمع، بدلاً من أن نصنع ما نفكر.

ولا ريب أنّ صعود تياراتٍ حكمت العقل فوق النص أسهم في زيادة الشبهة حول الفلسفة، غير أنّ علاج الخطأ لم يكن يوماً في أن يلغى العقل، أو يُنفى التفكير، فهذا أشبه بمن يعالج المريض بإعدامه، وحين تفقد الأمة عقلها تفقد حاضنتها الفكرية، وتُصبح أسهل الأمم انقياداً، وأضعفها رؤيةً، وأكثرها عرضةً للخداع.

والذين يخشون الفلسفة إنما يخشون السؤال في الحقيقة، فالسؤال يزعج العادة، ويحرّك الركود، ويكشف المستور، مع أنّ السؤال هو الذي يمنحنا القدرة على اكتشاف العيوب، وهو الذي يجعلنا قادرين على مواجهة الأخطاء بشجاعة.

وهذا الخوف من الفلسفة هو الذي جعل مجتمعاتنا تتراجع أمام الأمم الأخرى، إذ لا يمكن لحضارةٍ أن تنهض بلا عقلٍ يُحسن الربط بين العلل والمعلولات، وبلا منهجٍ يُعلّم أبناءها أنّ الحقيقة لا تُشترى جاهزة، بل تُنتزع بالسؤال، وأنّ التفكير ليس خياراً ثقافياً، بل هو ضرورة حياتية.

وإذا كانت أوروبا قد خرجت من ظلامها حين حررت عقلها من قبضة الكنيسة، فنحن نحتاج إلى تحريرٍ من نوع آخر؛ تحرير العقل من الخوف، ومن خرافة أن التفكير يجرّ إلى الشك، ومن وهم أنّ الفلسفة خصمٌ للسماء، ونحن أحوج ما نكون إلى فلسفةٍ تعيد ترتيب وعينا، وتصلح علاقتنا بالمعنى، وتفتح أعيننا على حقيقة أنّ العقل هبةٌ من الله تعالى لا يجوز أن تُعطّل.

وليس المطلوب هنا أن ندرس الفلسفة كعلمٍ جامدٍ في القاعات، بل أن نجعلها منهجاً في حياتنا، وطريقةً لفهم واقعنا، وسبيلاً للتمييز بين الغث والسمين، وأداةً لحماية مجتمعنا من التضليل والتلاعب.

ولهذا فإن تعلّم الفلسفة لا ينفع الفرد وحده، بل ينفع المجتمع كله، لأنها تعلّم الإنسان أن يفكّر قبل أن يُصدّق، وأن يستدل قبل أن يحكم، وأن يميز بين العاطفة والحقيقة، وبين الصوت المرتفع والفكرة الصائبة، وحين يترسخ هذا الوعي في ثقافتنا يصبح المجتمع أقدر على محاربة الفساد، وأقوى في مواجهة التجهيل، وأوعى من أن يُساق وراء الشعارات.

إنّ إخراج الفلسفة من دائرة الشبهة إلى دائرة الوعي هو خطوة لإعادة بناء العقل المسلم على أساسٍ راسخ، وحماية للمجتمع من التصورات المعلّبة التي تُغلق أبواب المعرفة، والحضارات التي لا تسمح لعقلها بأن يتنفس، سرعان ما تختنق بأفكارها القديمة، وتتعثر في أول امتحانٍ للواقع.

نعم، لقد آنَ لنا أن نتفلسف، وأن نعيد للعقل مكانه، وللتفكير الحر مسؤليته، وأن نجعل الفلسفة جزءاً من وعينا اليومي، فهي السبيل إلى فهم أنفسنا والعالم، وأمةً تُحسن التفكّير لا يمكن أن تُخدع بسهولة، ولن تتعثر أمام التحديات التي تواجهها، بل ستمضي بثباتٍ نحو مستقبلٍ يصنعه العقلٌ الذي يتأمل، والقلبٌ الذي يؤمن، والروحٌ التي تعرف طريقها.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights