الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

المعتمدون المزيّفون .. الحقيقة المرة !

    غزلان بنت علي البلوشية 

لم يعد النصب اليوم مجرّد عملية بدائية يقوم بها شخص مجهول في الظلام، بل أصبح صناعة كاملة تتقن اللغة، وتفهم النفس، وتلبس قناع الشخص الموثوق. منصّات التواصل الاجتماعي، التي كان من المفترض أن تقرّب البشر، تحوّلت إلى أكبر مساحة للنصب المُقنّع… حيث يرتدي المحتالون أجمل الأقنعة، ويتحدّثون بمهارة، ويقدّمون أنفسهم على أنهم خبراء، مدرّبون، مستشارون، أو حتى ملائكة رحمة.

في كثير من الإعلانات التي نراها هذه الأيام، لا تعتمد الحيلة على الكلمات وحدها، بل على لغة الصورة التي تكذب أكثر من الكلام. ترى شعارات منظمات عالمية معروفة، صورًا لخصائص رسمية، شعارات مزيفة تبدو مألوفة حتى لغير المتخصصين، فتسقط بشباكها النفس قبل أن يسقط المال. هذه الصور ليست اختيارًا عشوائيًا، بل خطة مدروسة تجعل العين تطمئن والقلب يخفّ، فتصبح عبارة معتمد من منظمة دولية كافية لكي ينقلب الحذر إلى يقين زائف.

المحتالون يدركون أن الثقة تُبنَى من حيث الشكل أولًا، فيستخدمون مواد مرئية مسروقة أو معدّلة، يعرضون أسماء مؤسسات حقيقية بجانب شعاراتهم المُزيفة، ويضعون توقيعات وهمية تُشبه توقيع شخص مرموق. المشهد يبدو رسميًا، وتتصور أن هناك شبكة حقيقية خلفه، فتتقدّم خطوة، ثم خطوة أخرى، حتى يصل الأمر إلى تحويل مالي باسم حساب محلي يبدو عاديًا وآمنًا. هنا يتلاعب الخداع بعنصرين: الرغبة في التقدّم والحاجة إلى الاعتراف، وبحسٍ من الأمان يولّده الوجود المحلي للحساب المصرفي.

عندما تُصبح الشهادة سلعة قابلة للعرض والبيع، يتحوّل السوق إلى ساحة فوضى؛ الشهادات تُصنَع في دقائق، الدبلومات تُوزّع بكبسة زر، والصفحات تختبئ خلف واجهات براقة. ضحية الخدعة لا تقع لأنّها غبية، بل لأنّها كانت تبحث عن فرصة في سوق متشظٍ ومليء بالضجيج. حين يرى الباحث عن عمل أو الموظف الطموح اسم منظمة مألوفة وصورة احترافية ورقم بنك محلي، يتراجع الشك في قلبه ويغدو القرار يبدو منطقيًا وتسير الخطوات بسرعة حتى يأتي الصمت بعد التحويل.

الصمت هو اللحظة الفاصلة بين الوهم والحقيقة. تختفي الردود، تختفي الصفحات أو تُغلق المؤقت، وتبقى الرسائل التي لم تُجب عليها أخرىً على شاشة هاتفك كدليلٍ موجع على أنك صدّقت. الألم هنا لا يقاس بالمبلغ المالي وحده، بل بما يتركه من زعزعة للثقة في الآخرين، وخوف من الوثوق مرة أخرى. الناس يخافون أن يُنظر إليهم على أنهم ضحايا سذاجة، فيصمتون بدل أن يفضحوا الشبكات ويمنعوا آخرين من السقوط في نفس الفخ.

الخطورة أن منظومة الاحتيال تزداد تكاملًا؛ هناك من يصنع الصور، وآخر ينسّق الإعلانات الممولة، وثالث يدير الحسابات البنكية المحلية، ورابع يفتح حسابات جديدة بأسماء تبدو شرعية ثم يغيّرها ويختفي. هذا التنسيق يجعل من الصعب تتبع الجناة ويجعل الأثر أوسع وأخطر. لذلك لا يكفي الشعور بالحذر وحده، بل نحتاج إلى وعي عملي يُحوّل الشك إلى إجراءات تحقق بسيطة تقطع طريق المحتال قبل أن يبدأ.

لأن الوقاية أفضل من العلاج، احرص قبل أن تُسلّم مالك أو بياناتك على أن تسأل بصوت داخلي عن مصدر الاعتماد: هل لهذه “المنظمة” موقع رسمي مسجّل؟ هل يمكن التواصل معها عبر خطوط رسمية وليس فقط عبر رسائل خاصة؟ هل الحساب الذي يُطلب التحويل إليه يعود لاسم مؤسسة مسجّلة أم لشخصٍ فردي؟ إنّ وجود رقم بنك محلي قد يعطي انطباع الأمان، لكنه ليس دليلًا على المصداقية، بل قد يكون جزءًا من الخطة لتقليل الشك. خذي وقتك للتحقق، وابحثي عن الشركاء الحقيقيين، واطلبي مستندات رسمية يمكن تتبُّعها.

وأخيرًا، لا تسمحي للخدعة بأن تغيّر طبيعتك. الطيبة ليست ضعفًا، والثقة ليست جريمة، لكن الحكمة أن تمنحي الثقة لمن أثبت أفعاله لا لمن زخرف الكلام وجهز الصور. اغلقي الباب بأدبٍ وحزمٍ أمام من يستغلّون الحاجات، واحمِ معلوماتك كما تحمي ممتلكاتك. العالم الرقمي مليء بالفرص، لكنه أيضًا مرآة تعكس كل شيء؛ فاجعلي انعكاسك ذكياً وحذراً، واحفظي طاقتك ووقتك وأمانك كما تحفظين أغلى ما تملكين.

حين تدرك أنك وقعت ضحية لعملية احتيال، قد يغمرَك شعور بالعجز والخجل وأن المال لن يعود، لكن هناك خطوة واحدة تملك قوةً فعلية: البلاغ. الإبلاغ ليس انتقامًا فاضحًا فحسب، بل هو فعل مجتمعي ووقائي، لأن تسجيلك للحادثة يجعل الجهات المعنية تبدأ مسار تتبّع الحسابات والإعلانات والطرق التي استُخدمت، ومع تكرار البلاغات تُقفل الحسابات وتُحذف الصفحات وتُجمّد أرقام الحسابات المصاحبة لها. لذلك لا تحتفظ بالألم في داخلك، بل اجمع الأدلة فورًا: لقطات شاشة للمحادثات، إيصالات التحويل، أسماء الحسابات، أرقام الحسابات البنكية، تواريخ وأوقات الرسائل، وكل ما يمكن أن يثبت ما حصل، ثم توجّه بهذه الحزمة إلى المنصة نفسها عبر زر الإبلاغ أو عبر مركز المساعدة، وبلغ البنك الذي تحوّلت إليه الأموال لطلب تجميد أو متابعة للتحويل إن أمكن، وقدّم شكوى لدى الجهات الأمنية أو حماية المستهلك ببيانات كاملة.

لا تتردّد في مشاركة تجربتك بشكل عام مع مجموعات موثوقة أو صفحات أهلية تحيط بالمجتمع الذي تتعاملين/تتعامل معه؛ تحذيرك قد يمنع آخرين من الوقوع في نفس الفخ، ومع تكرار الشكاوى يمكن للجهات الرسمية أن ترصد نمطًا يؤدي إلى تحريك دعوى أو تعاون دولي أو إغلاق شبكات بشبكاتها. أحيانًا المال لا يعود، لكن أثر بلاغك أكبر من مجرد محاسبة فردية؛ إنه يقلص مساحة الفاعلين، ويضع عقبات أمامهم، ويخلق سجلًا يساعد المحققين على الربط بين حسابات تبدو منفصلة.

أخيرًا، تذكّر أن الإبلاغ ليس وصمة عار، بل فَعل مسؤول وواجب تجاه المجتمع. عندما ترفع صوتك بصراحة وبدليل، فإنك لا تُستعيد مالك فحسب إن أمكن، بل تُعيد لشخص آخر فرصة ألا يكون الضحية التالية. اغلقي باب الصمت، وبادروا بالبلاغ؛ لأن الإجراء البسيط منك اليوم قد يغلق شبكة نصب غدًا ويمنع سقوطُ آخرين في نفس الفخ.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights