الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

حين يصبح الاعتياد أكثر أمانًا من الإبداع

أحمد معروف اليافعي

في كثير من البيئات الاجتماعية والإدارية، ما زال الإبداع يُقابل بالحذر والريبة، وكأن المبدع خطرٌ يهدد استقرار المنظومة، لا قيمة تُضاف إليها. نرى مسؤولين أو شخصيات عامة يضيقون ذرعًا بأي شريكٍ أو موظفٍ يبرز في مجاله أو يحظى باهتمام المجتمع، لأنهم يرون في ظهوره تهديدًا لمكانتهم أو تذكيرًا بعجزهم عن الإبداع.

بينما يُفترض أن يكون الظهور ثمرةً للجهد والتميز، يتحول في بعض البيئات إلى تهمةٍ غير معلنة تُثير الغيرة وتُغذي الحسد. والمفارقة أن الفاشلين أو محدودي الكفاءة لا يجدون من يحسدهم، لأن أحدًا لا يلتفت إليهم. أما المبدع، فكل نجاحٍ يحققه يولّد خصومًا جديدًا، لا لشيءٍ سوى أنه أضاء المكان الذي اعتاد الآخرون أن يبقى مظلمًا.

وفي المقابل، هناك فئة من الأشخاص العاديين الذين يسيرون مع التيار دون فكرٍ أو تميز. هؤلاء يرضى عنهم المسؤولون لأنهم مطيعون، لا يُثيرون الأسئلة ولا يُحدثون ضجيجًا. ينفذون الأوامر حرفيًا دون ابتكار أو تطوير، فيُكافأون على “الهدوء” لا على الإبداع. وهكذا تتكرر الصورة: المبدع يُقصى لأنه مقلق، والعادي يُكرَّم لأنه لا يُزعج أحدًا.

إن الإشكالية ليست في المبدعين، بل في طريقة التعامل معهم. فالمسؤول الذي لا يعرف كيف يحتوي الموهبة سيحوّلها إلى عبء، بينما القائد الحقيقي هو من يستثمرها ويوجهها نحو النجاح. المبدع لا يحتاج إلى قيود، بل إلى من يفهم شغفه، ويمنحه مساحةً ليعبّر عن فكره وإبداعه بما يخدم العمل والمجتمع.

نحن بحاجةٍ إلى إعادة النظر في ثقافة التقدير والتقييم، وأن تكون الكفاءة والإبداع معيارًا للتقدّم، لا الولاء والمجاملة. كما يجب تأهيل القيادات على فن التعامل مع العقول المتميزة، لأن الإبداع ليس تهديدًا، بل فرصة لتطور المؤسسات والمجتمعات.

والمبدع لا يسعى للظهور من أجل الشهرة، بل من أجل أن يصنع أثرًا حقيقيًا. لكن حين يُقصى المبدع ويُكرَّم العادي، فإننا نغلق أبواب المستقبل بأيدينا. فالمجتمعات التي تخاف من المبدعين، تخسر أعظم طاقاتها، وتطفئ النور الذي كان يمكن أن يقودها إلى النهوض والتغيير.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights