الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

ذكرى متأرجحة

ميَّاء الصوافية

أن تظل على شفرة سكين، يتراجع بك الوجع، مؤرجحًا قلبك بين راحة النسيان وحَدِّ التذكُّر. ذلك عند حدود عالَمٍ مولٍ غابت عن ناظريك تفاصيله المتفرِّعة، وعرائشه النائمة على فراش الزمن، لكنه أبقى شيئًا من جذوره مغذيًا بها مساحات ذاكرتك. تظنُّ -حينًا- أنه ولَّى بكل ما حمله من ظلمة أو تخطٍّ، لكنه يعاودك تتلظَّى من ألهبته التي لم تخمد نيرانها! حتى وإن اقتلعتَ ذلك الجذر، وحاولتَ أن تقنع نفسك بأنك تخطَّيتَ، فما زالت الذاكرة تثمرُه من جديد من أرضها التي استقبلته حين خذلان، أو حين ثقة، أو حين دمعة انحدرت على وجنتيك، لتوقف قلبًا عن الحياة، وكان لعينيك هو الحياة.

تظنُّ أن البرودة التي جاءتك يومًا من حدوده ستطفئه، لكنها جعلتك في حيرة التردُّد ما بين إقبال وإدبار!
هل هي أحضان صلبة حملت الماء على صعيد ظاهرها، ولم يُحيِ الماء شيئًا من باطنها؟ أم إنها أرض طينية يعيش اللِّين في أعماقها، وإن ظهر لك يومًا شيء من خشونة صعيدها؟
فهل ستظلُّ يعتصرك الوجع إن أتتك ذكراه من أرضه الخشنة، أم ستنسى ألمه إن بردت غليلك النسائم الباردة التي هبت عليك من الأعماق اللينة من ذاكرة الوجع ذاتها؟
انظر إلى هذه الذكرى الحائمة، تشعلها الأوجاع في لحظة تلقّيها وتذكُّرها، وتخمدها الحركة المطفئة لجذوتها، المعتذرة، عندما تأتيك بقلبها المنكسر وروحها المتأسفة، من النافذة ذاتها التي أتاك منها الوجع.

إنَّا نحن البشر، من خفقة ماء وطين، تستهوينا المواقف التي تجعلنا نشعر بأننا من الحياة وفي الحياة. نحبُّ أن تُسقى أوردتنا بالماء المُنعش من عيون المشاعر الكريمة في كل أوقات التلقّي والأخذ، ولا يشوِّب هذا التعامل كدرٌ، سواء في الظاهر أم الباطن. نريد من يعيدنا إلى الحياة، لأننا خُلقنا منها.

هناك من البشر من يجعلك تتنفس هواءه المعكِّر لأنفاسك، يأتيك بهوائه من كل نافذة يفتحها معك. تبصِّر فعله ذاك… هل أعقب هواءه الملوَّث بروائح طيبة حيَّة في كل مرة؟ إذن، ما سلوكه المعكِّر إلا ظاهر لم يتمرَّس على الخُلُق الكريم، وأما باطنه فجميل حيٌّ، وفي أعماقه شيء من قلب معلَّق بحبل مودتك. وما عليك إلا توجيهه إلى النوافذ النورانية حين يفتح نافذته عليك، ولا تلقِ بروح الإخاء في شمس الهاجرة، بل برِّد عليها بالعتاب العذب، ولا تدع ذكراك تلج إلى العتبات الساخنة.

أما تلك الذكرى التي أتتك حين صدمة من أرضها الصلبة، ومن الأرواح التي لم يُحيِ الماء شيئًا من باطنها، وبات عليك أن تتلقَّى سوادها بكل خضوع، ورايات استسلام، وكأن أي ردة شعور بالضيق منك تجاهها يُعتبر فتح جبهة جديدة، فإن أتتك هذه الذكرى، حاول أن تتجاهلها بكل صبرك المشحون وبصيرتك العاقلة، وبحق نفسك عليك ألا تلج بها إلا إلى عتبات السلام. ومن قبل ذلك، عليك أن تغادر أرض عراك هذه الأرواح، وتتركها بسلام المؤمن، وألا تفتح صفحتها من جديد.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights