السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

العُماني ما مال شغل !!

    صالح بن ناصر المحروقي

تترددُ منذ سنوات مقولةٌ فحواها أنّ “العُماني ما مال شغل”، وتُطرح كلما جرى الحديث عن توظيف المواطنين في القطاع الخاص، وهي تُقال أحياناً بنية التبرير، وأحياناً بنية الاتهام، لكنها في الحالتين تعكس نظرةً دونية إلى الإنسان العُماني، وتُغفل العوامل الحقيقية التي تحكم بيئة العمل في البلاد.

كثيرون يتعاملون مع هذه العبارة وكأنها تشخيص واقعي، مع أنها لا تزيد عن كونها حكماً عاماً لا يقوم على دراسة أو تحليل، وإطلاق الأحكام الجماعية على الشعوب بهذه الطريقة، يختزلُ التعقيد الاجتماعي فيها، وهو يمثلُ خطأ فكرياً، قبل أن يكون ظلماً اجتماعياً.

وليس من الحكمة أن نسمح بترديد هذه العبارة بيننا؛ حتى لا تتحول إلى قناعة خفية، فالكلمات حين تتكرر تصنع واقعاً نفسياً، وقد تُنشئ شعوراً بالقصور لا أصل له، وتزرع الهزيمة في الوعي من حيث لا نشعر.

ومن ينظر في تاريخ هذا البلد، يُدرك أنّ روح العمل راسخةٌ في طباع أهله منذ القدم، فالعُماني الذي بنى حضارة واسعة امتدت من سواحل شرق إفريقيا إلى سواحل الهند والصين، والذي قاد السفن، وشق الجبال، وزرع الأرض، وأدار التجارة، لم يكن يوماً عاجزاً عن العمل، وهذا التاريخ الناصع هو أكبر دليل على أنّ الإتقان والاجتهاد جزءٌ أصيل من الشخصية العمانية.

وفي الواقع المعاصر شواهد كثيرة على أنّ العُماني قادر ومؤهل إذا أُتيح له المناخ المناسب، فقطاع النفط والغاز الذي كان في بداياته معتمداً على الوافدين، أصبح اليوم مُداراً من قبل العمانيين بنسبة تفوق 90%، وقد أثبتوا كفاءتهم في مواقع الحفر والإنتاج والإدارة العليا، والقطاع المصرفي كذلك أصبح شبه معمن بالكامل بعد أن كان في يد الوافدين لعقود.

وتتكرر الصورة نفسها في قطاعات أخرى مثل الاتصالات والطيران والموانئ، حيث يقود العُمانيون اليوم عمليات التطوير والإدارة بكفاءة عالية، وهذه الوقائع كافيةٌ لإسقاط المقولة الشائعة، فلو كان العُماني لا يحب العمل، لما تمكن من إدارة أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني.

أما الحالات الفردية التي يُستشهد بها لتعميم الاتهام، فهي لا تمثل سوى استثناءات محدودة، وهناك وافدون أيضاً يفتقرون إلى الانضباط أو المهارة، بل إنّ بعضهم وصل إلى وظائفه بشهادات مزورة أو عن طريق الوساطات، غير أنّ أخطاء الوافدين تمر كالعادة بلا ضجيج، بينما يُضخَّم أي تقصير من الموظف العُماني، ليُتخذ دليلاً على فشله الجماعي!

والإنصاف يقتضي أن يُفهم السلوك في سياقه، فحين يعمل المواطن في بيئة غير محفزة، براتب يبدأ من 325 ريالاً، وبدون تقدير أو فرص حقيقية للترقي، فمن الطبيعي أن تتراجع دافعيته، فالعُماني هو في النهاية إنسان، يحتاج إلى بيئة تحترمه وتكافئ جهده، لا إلى إدارة تنظر إليه بعين الشك أو تسعى إلى إبعاده عن موقعه.

وفي بعض الشركات الخاصة التي يهيمن عليها الوافدون، تُمارس أنماط شتى من التضييق على الموظف العُماني، فيُستبعد من التدريب، أو يُحمّل أعمالاً إضافية، أو يُحرم من الترقيات، وعندما يترك عمله يُقال إن “العُماني لا يصبر”، مع أنّ الأسباب الحقيقية هي سوء الإدارة، وغياب العدالة في بيئة العمل.

وهنا يبرز دور الحكومة في تصحيح هذا الخلل، من خلال مراقبة بيئات العمل، وضمان عدالة الأجور وتكافؤ الفرص، فالمطلوب ليس فقط توظيف العُماني، بل تمكينه فعلياً، وإيجاد نظام مهني يضمن حمايته من التمييز أو التهميش، كما ينبغي أن تكون القوانين أكثر وضوحاً في ضبط سلوك المدراء الوافدين الذين يتجاوزون سلطاتهم.

ولا يقل دور الإعلام أهمية، فهو القادر على إعادة تشكيل الصورة الذهنية عن العُماني، وإبراز نجاحاته في مختلف الميادين، وحين يُكرّس الإعلام المحلي رواية “العُماني ما مال شغل” فإنه يشارك في إضعاف الثقة الوطنية، بينما رسالته الحقيقية هي أن يُعرّف الناس بنماذج النجاح العمانية، ويعزز الفخر بالقدرة المحلية.

إنّ أي محاولة لتشويه صورة العامل العُماني، سواء كانت عن جهل أو عن قصد، تمثل خيانة للوطن، وخدمة غير مباشرة للوافد على حساب المواطن، فهذه البلاد قامت على سواعد أبنائها، وستبقى كذلك ما دام أبناؤها مؤمنين بقدرتهم على البناء والإنتاج.

العُماني لا تنقصه الكفاءة، بل يحتاج إلى الثقة، والبيئة العادلة، والقيادة التي تضعه في موقعه الصحيح، وحين تتكامل هذه العوامل، يُثبت العُماني أنه أساس العمل في وطنه، وأنّ نهضة عُمان ستبقى دائماً وأبداً بجهده وإخلاصه وإيمانه بقدرته على البناء.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights