الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

الكتابة .. ذاكرة الإنسان التي لا تنطفئ

صالح بن سعيد الحمداني

ثمة سحرٌ غامض يسكن لحظة الكتابة بالقلم ذلك الشعور الفريد الذي لا تمنحه الشاشات مهما أضاءت، إنني من عشّاق تلك اللحظة حين تلتقي أصابعي بورقٍ له رائحة عمرٍ مضى، أُقلب صفحاته بشغفٍ صامت، أضع بقلم الرصاص خطًا تحت كلمةٍ تشدّني، كأنني أوقّع معها عهدًا بالعودة إليها، وأحيانًا أُثني طرف الورقة لأتذكر وأحيانًا أضع ريشة الطاووس التي أهدانيها والدي ـ رحمه الله ـ (وأنا في صف السادس مع كتاب عن القبائل العربية) أضعها كعلامةً على ما تبقّى من الرحلة، وكأنها جناحٌ صغير يحرس الطريق إلى المعنى، ولكننا اليوم نعيش زمنًا تتسارع فيه الخطى وتُختصر فيه المسافات بين الكلمة ونشرها بلمسة شاشة زمنًا يضيّق المسافة بين الفكرة وصورتها الرقمية، ومع ذلك تظل أمامنا مشاهد تعيدنا إلى الأصل، إلى ذلك العالم البطيء الجميل الذي كانت فيه الحروف تُنقش على الورق كما يُنقش الحنين على الذاكرة، هناك كانت الكلمة وعدًا بالخلود، وكانت الكتابة فعلَ حبٍّ ومقاومة، لا مجرد وسيلةٍ للتعبير.

للحبر في كل عصر نكهته وسحره، وللورق صوتٌ خفيٌّ لا يسمعه إلا من جرّب أن يكتب من أعماق قلبه، كانت الريشة في أزمنةٍ مضت امتدادًا للفكر والروح، تُترجم ما تعجز اللغة عن قوله، ولم تكن أداةً للكتابة فحسب وإنما رمزًا لحضارةٍ آمنت بأن الخلود يولد من الكلمة لا من السلطان، وكان الكاتب في تلك الأيام يجلس أمام مصباحٍ أو شمعةٍ وحيدة لا يطلب الضوء ولكنه يبحث عن الصفاء، كان وهج الشمعة المتراقص يرقص على وجه الورقة فيُضيء الحروف كأنها نجومٌ صغيرة في ليلٍ طويل، كانت الكتب المحيطة به أكثر من أوراقٍ مغلقة؛ كانت أرواحًا تسكن الرفوف تشهد على ذاكرة الإنسانية التي لا تموت.

الكتابة اليدوية كانت رحلة تأملٍ وصبر تبدأ من أول قطرة حبرٍ على الصفحة البيضاء وتنتهي عند آخر كلمةٍ تُغلق بها الفكرة أبوابها، بين البداية والنهاية كانت هناك معركة خفية بين الفكر واللغة وبين الرغبة في البوح وحدود الحروف، ومع كل سطرٍ يُكتب كان الكاتب يكتشف نفسه من جديد، وإن استحضار أدوات الكتابة القديمة في زمن السرعة عودةٌ إلى جوهر الكلمة وليس حنينًا إلى الماضي، وأيضًا عودةٌ إلى لحظة الولادة البطيئة التي تمنحها معناها الحقيقي، الكلمة التي تُكتب ببطء، تولد وفيها روح، لأنها تُقطر من التأمل، لا من العجلة.

وهكذا تبدو الريشة اليوم كرمزٍ مزدوج وجهها الأول يتجه نحو الماضي حيث السكينة والتأمل ووجهها الآخر نحو الحاضر حيث تستمر الكلمة في تحدي النسيان، فالكاتب سواء أمسك بريشة أو بقلمٍ رقمي يظل يحمل الهمّ ذاته أن يمنح صوته للحياة، وأن يترك أثره على جدار الزمن، وربما لهذا السبب تظل الكتب القديمة تحتفظ بسحرها الذي لا يبهت، صفحاتها المهترئة ليست ضعفًا وإنما حياةٌ مرت بها، كل خَدشٍ على غلافها، كل بقعة حبرٍ نائمةٍ على الهامش، هي شاهدٌ على عبور أرواحٍ كثيرة من خلالها، هذه الكتب كائناتٌ تتنفس ذاكرة من قرأها وكتبها واحتضنها في الليالي الطويلة.

الكتابة في حقيقتها مقاومةٌ للزمن، فحين تتلاشى الصور وتُنسى الأصوات تبقى الكلمات وحدها تقاوم الفناء وتربط بين الماضي والمستقبل بين حضاراتٍ اندثرت وأجيالٍ لم تولد بعد، في كل نصٍّ يُكتب، هناك وعدٌ بأن شيئًا منّا سيبقى، حتى وإن رحلنا جميعًا، تبدّل الزمن وتبدّلت أدوات الكتابة ولكن جوهرها لم يتغير، فبين شمعة الماضي وشاشات الحاضر تظل الفكرة واحدة الإنسان لا يكتب ليملأ الفراغ فهو يكتب ليملأ نفسه بالمعنى، وفي عالمٍ يغمره الضوء الصناعي يبقى ضوء الشمعة رمزًا للصفاء والبداية، يذكّرنا بأن الكتابة فعل بقاء وليست ترفًا، هي الوسيلة التي نحمي بها ذاكرتنا من التبخر وسط ضجيج السرعة والسطحية.

إن العودة إلى رموز الكتابة القديمة هو بحثًا عن معنى أعمق للوجود وليس هروبًا من الحاضر، لأننا حين نكتب لا نُسجّل ما يحدث فقط، إننا نحاول أن نفهم أنفسنا، أن نُمسك بخيط الضوء داخل العتمة، ويبقى النور الحقيقي لا ينبعث من المصابيح، ولكننا نجده في حروف الكلمات، تبقى ذكرى الريشة مهما غابت قادرة على أن تنهض وتكتب من جديد لأن الحبر الذي يسكنها لم يجفّ قط ـ إنه الحبر الذي يكتب الحياة، وقلم الرصاص سيظل عالقًا بذكرياته ما دامت أيدينا قادرة على مسك القلم، لذا فإنني أعشق القراءة والتأمل في الكتب، وأستمتع بتقليب صفحاتها، إذ أجد بين سطورها متعتي وراحتي وأنسي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights