الفساد.. العدو الخفي التنمية
هلال بن حميد بن سيف المقبالي
في كل دولة تشرق فيها شمس التنمية تحمل وعدًا بالمستقبل الأفضل، فرصًا متجددة، وحياة كريمة للأفراد.
يقف أمام هذا الطريق معيق صامت، لا يظهر في العلن؛ لكنه ينهش أساسات التقدم خطوةً خطوة، يلتهم الموارد، ويضعف المؤسسات، ويعرقل مشاريع البناء والتطوير، حتى تتحول الأحلام إلى مجرد شعارات على الورق، عدو للتنمية يظهر خفيّة ويتسلّل بصمتٍ ليطفي ضوء هذه التنمية، يبدد صفاءها، ويغيّر الملامح ويُرهق الضمير، إنه “الفساد” يحوّل المال العام إلى غنيمة، والوظيفة إلى وسيلة، والضمير إلى صفقةٍ في سوق المصالح.
وفي وطننا الحبيب “عُمان” – كما في سائر الأوطان- ، هذه الظاهرة موجودة، وما بُث في الأيام الماضية في التقرير السنوي لجهاز الرقابة المالية والإدارية، ما هو إلا دليل واضح لتمكن هذا المفصل من جسم الدولة، حيث تنوعت صور الفساد بين “اختلاسات مالية” ، تُغيّب الأمانة عن ميزانية المشاريع، ” رشاوي” تُفتح بها الأبواب المغلقة، “وصفقات وهمية” تبتلع المال العام تحت عناوين براقة. كما يتجلّى في ” تجاوزات إدارية وقانونية”، عقود ومبيعات وهمية بمبالغ خيالية.
إن الفساد لا يولد من فراغ، بل من بيئةٍ تُخصبه؛ فحين تضعف الرقابة الذاتية، والوازع الديني، وحب الوطن، والإنتماء إليه؛ يتراجع الضمير المهني، وتغيب الشفافية، وتسقط المصداقية، وتهمل المساءلة، ويجد الفساد طريقه ممهّدًا، “فمن أمن العقاب أساء الأدب”.
الجميع يتفق على أن الفساد المالي والإداري ظاهرةٌ تُقلق المخلصين، وتُربك المسيرة التنموية التي بُنيت بعرق الرجال وجهد السنين، وهنا يبرز دور جهاز الرقابة المالية والإدارية، كونه الأداة التي سخرها جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه، لقطع هذا المفصل الفاسد، ويكون هذا الجهاز خط الدفاع الأول المدافع عن المال العام. والعين الساهرة، _ على نزاهة المعاملات، والعقود المالية والاستثمارية، والمبيعات، وموازنة المشاريع_ التي تكشف الخلل وتمنع الانحراف، ولكن تبقى فعالية هذا الجهاز محدودة إذا لم يتعاون معه كل موظف آمين، وكل مواطن غيور، ويكونوا شركاء في كشف هذا الفساد، فحين يرفض الموظف الرشوة ويصون أسرار عمله، ويبلغ عن أي تلاعب أو خلل في العقود أو أي معاملة يراها تحمل لمسة فساد؛ ببلاغه هذا يبني لبنة في جدار الإصلاح الوطني. فعندما يقدّر المواطن المال العام كأنه ماله، ويراقب المشاريع بوعي وإدراك، ويكتشف أنها ليست كما وصفت قبل تنفيذها، أو إذا لاحظ أي تجاوزات في إنجاز المعاملات وتأخرها، بقصد دفع رشوى أو تدخل فيها المحسوبية، والمعرفة، والمصلحة الشخصية، أو يلاحظ أي نوع من الفساد، عليه الابلاغ عنه؛ فهذا البلاغ ليس وشاية بل دليل وعي وإصلاح مجتمعي، ويكون بذلك قد مارس أسمى صور المواطنة.
التقارير السنوية التى يفصح عنها جهاز الرقابة المالية والإدارية، والتي يبين فيها نوع الفساد والجهة المسؤلة عنه، هو دليل واضح على أن القضاء على الفساد تمامًا حلم بعيد المنال مهما كانت الإمكانيات، ولكن بالاستطاعة تضيق مساحته من خلال العدالة المجتمعية، وتربية الضمير الوطني في حب الوطن، وحمايته وصون ماله ومكتسباته، وإحياء الضمير المهني في كل موظف، وتعزيز ثقافة الابلاغ والمساءلة بلا خوف أو تردد، وتبني المؤسسات التربوية والإعلامية إضاءة مصابيح الوعي؛ لتغرس في النفوس معنى الأمانة والمسؤولية، لا بوصفها شعارًا، بل سلوكًا يوميًّا. واجبًا وعبادة، ويتكامل كل ذلك مع وجود منظومة من الرقابة الصارمة، والقوانين الفاعلة، والمؤسسة المنفذة، والإعلان إعلاميًا عن كل من تسوّل له نفسه المساس بالمال العام، أو ساعد على ذلك مهما كان منصبه أو مكانته المجتمعية، ليعتبر الجميع، ويحسبون حساب هذا اليوم فلعلهم يخشون من الفضيحة، إذا لم يخشون من الله.
التنمية حلم يتسلق جبال الطموح، ويزرع الأمل في كل ركن من وطننا الحبيب، لكنها تواجه عدوًا خفيًا لا يسمع صوته، ولا يظهر إلا عندما ينهش جذورنا بصمت. إن مواجهة الفساد ليست خيارًا؛ بل واجب وطني وأخلاقي يضمن بقاء التنمية على الطريق الصحيح؛ بالشفافية، والرقابة، والمساءلة الصارمة، فالتنمية لا تنتصر إلا حين يخبو ظلام الفساد، ويشرق نور النزاهة في كل مؤسسات الدولة والمجتمع.



