الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

هنا التقينا : فصولٌ من الحكمة والضياء

    ناصر بن خميس بن سالم الربيعي

 في رحاب اللغة، وعلى مائدتها التقينا ، تلك الروضة الغنّاء التي وُرثت عن الأجداد، نسقيها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، تُعدُّ وعاءَ الفكر ولسانَ البيان، التقينا، لم يكن لقاؤنا عابراً، بل كان عهداً على المضي في دروب الإتقان، وحكايةً سُطِّرت فصولها على مدى ثلاثة فصول دراسية، ضمن دورة “خبراء اللغة العربية”، الذي غدا منارةً تهتدي بها الألباب ، وهادياً لمن يبحث عن الإبداع والتميز في التدريس .

رحلة في رياض الضاد عشنا تفاصيلها على مدى الفصول المتتابعة، كنا كوفدٍ يمّم شطر المعرفة، يحملُ شغفَ التعلّم وظمأ البحث، ثلاثةُ فصول، كانت أشبه بخلوةٍ روحيةٍ مع “الضاد”، نغوصُ في أعماقها، نستكشفُ أسرارها، وننقبُ عن نفائسها، كانت كل محطةٍ منها كشفاً جديداً، يضيف إلى أرواحنا نوراً وإلى عقولنا بياناً، وكما قال الإمام الشافعي في فضل العلم:
تعلَّمْ فليس المرءُ يُولدُ عالِماً .. وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
وإن كبير القوم لا علم عنده .. صغيرٌ إذا التفّت عليه الجحافلُ
وإن صغير القوم إذا كان عالماً .. كبيرٌ إذا ردّت إليه المحافلُ
فكم ازددنا علماً، وكم ارتقينا بوعينا، بفضلِ هذا الملتقى المبارك الذي جمعنا على نبل الغاية وسمو الهدف.

ما كان لأي إنجاز أن يكتمل لولا أرواحٌ تشاركت الدرب، وقلوبٌ توحدت على المحبة والزمالة، لقد اجتمع في هذه الدورة التدريبية نخبةٌ طيبةٌ من الإخوة والأخوات، المعلمين والمعلمات، الذين زيّنوا مجالس العلم بفيض خبراتهم، وروعة حضورهم، وأدب حوارهم، كنّا كالجسد الواحد، يشدُّ بعضُه بعضاً، ويسقي بعضُه بعضاً من معين الفهم والإدراك والعلم النافع، لقد تجسدت في لقاءاتنا أسمى معاني الأخوة والودّ، وكأنّنا نردد قول شوقي :
وليس بنافعٍ وُدُّ الأَصاغِرْ .. ولا خَيْرٌ بِمَن لا وُدَّ فيه
كانت أيادي العون ممدودة، والكلمة الطيبةُ حاضرةً، والرأيُ السديدُ مُشاراً إليه، فكانت تلك المجموعةُ الطيبةُ خيرَ سندٍ وخيرَ رفيقٍ في هذه الرحلة الماتعة.
و لا بدَّ لرحلةٍ كهذه من ربّانٍ ماهر، يسيّرُ سفينتَها بحكمةٍ واقتدار، فكلُّ الشكرِ والامتنان الوافر لصاحب الأيادي البيضاء الدكتور المدرب الفاضل علي المعمري، الذي لم يكن مُعلِّماً فحسب، بل كان أباً حنوناً، ومرشداً بصيراً، وخبيراً متفانياً، لقد كان لحضورهِ الأثرُ البالغُ في نفوسنا، ولعلمه العميقِ الوقعُ في عقولنا، بذلَ من وقتهِ وجهدِه وروحِه الكثير، فكان مثالاً يُحتذى به في إخلاص المعلمِ وتفانيه في رسالتهِ السامية، فلنجعل منه مثالاً وقدوةً نهتدي بها في طرقات التربية ودروبها الوعرة إليهِ، نُهدي أصدقَ آياتِ العرفان، ونرفعُ أسمى عباراتِ الشكر، فهو مَن أضاء لنا دروباً كنا نجهلها، وذلّل لنا صعاباً كنا نخشاها، وكما قيل في الثناء على أهل الفضل:
قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا .. كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
نعم، كان رسالةً ساميةً متجسدةً في شخصه، يدعو إلى جودةِ الأداء، وعمقِ المعرفة، وإجلالِ اللغة، وتعظيم أربابها .

ها قد انتهت فصولُ الدورة التدريبية في المكان الذي بدأت فيه ، وها قد طوينا صفحاتِ التعلّم المنظم، ولكنّ العهدَ باقٍ، والودَّ موصولٌ، والعلمَ غرسٌ سنرعاهُ ونسقيهِ ما حيينا، فلنحمل ما اكتسبناه من مهاراتٍ ومعارفَ في جعبتنا، ولنجعل من أنفسنا سفراءَ للغةِ العربيةِ الفصحى، خبراءَ في البيان والبلاغة، ممارسينَ للإتقان في كل محفلٍ وميدان، والفضل كلّ الفضل لهذا الصرح الذي جمعنا تحث سقفه الحاني وقدم لنا ما نحتاجه لإنجاز مهمتنا (مركز التدريب المهني للمعلمين بولاية صحار ) ولا ننس الربان القائد الذي يوجه دفة القيادة لهذا الصرح الدكتور علي خزام فله منا خالص الشكر والامتنان على رعايته لنا وتحسسه لاحتياجاتنا، وللإعلام بصمةٌ واضحة ٌطوال رحلتنا التي استمرت ثلاثة فصول دراسية يوثق لحظاتها الرائعة ويضع لمساته الجميلة على تفاصيلها المتعة، فشكراً للأستاذة هاجر الغدانية التي لم تألُ جهداً لنشر تفاصيل الدورة التدريبية على المنصات الإعلامية .

إنّ هذه الدورة لن تكون نهايةَ المطاف، بل محطةَ انطلاقٍ نحو آفاقٍ أرحب، ووعداً صادقاً بالاستمرار في صقلِ الذات، وخدمةِ اللغة التي هي هويتنا وكياننا، ف “هنا التقينا”، وسيبقى هذا العنوانُ محفوراً في ذاكرة الأيام، شاهداً على ميلادِ كوكبةٍ من خبراء اللغة، على أتمّ استعدادٍ لردّ الجميلِ للغةِ وأهلها.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights