الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

في وداع الصحفي الشهيد صالح الجعفراوي… حين تُروى الحقيقة بدمها

سامح بن سالم الشكيلي

ليلةُ الإثنين… ليلةٌ سوداء كقلبِ الغياب، داكنةٌ كحبرِ الحزن، غاصَّةٌ بالوجع، مبلَّلةٌ بالدمع، خانقةٌ للأنفاس. ليلةٌ أطفأت الأمل، وألقت على القلوبِ ستارَ الفقد، ففاضت أرواحُ الناس بالأنين، وتكسَّرت فيها الملامح بين الصبرِ والإيمان، بين الرضا والذهول.

ليلةٌ مفجوعةٌ بما سمعت، مذعورةٌ بما رأت، مؤمنةٌ بقضاءِ ربِّها، مسلّمةٌ لقدره، لكنها مكلومةٌ بأحبابٍ ارتحلوا على دربِ البطولة، وخاب أملها حين تتابعت البشارات فاختلط فيها النصرُ بالعَبَرات، والفرحُ بالآهات. ومع ذلك، ظلت غزة صابرةً محتسبة، تستمد قوتها من وعد ربها: «وكان حقًا علينا نصر المؤمنين».(الروم من الآية:47)
تلك هي البقعة المباركة التي حملت على ترابها عبق الجهاد، وارتوت بدماء العزة والفداء، غزة العزة… أرض الأبطال، ومصنع الرجال.

هناك، رحل الإعلامي الشهيد صالح الجعفراوي، المجاهد بالكلمة والصورة، صاحب الوجه البشوش والقلب المضيء. عرفناه من خلف الشاشات، لا كمجرّد ناقلٍ للخبر، بل كصوتٍ للحقيقة، يعيش الألم بعمقه، وينقله بصدقه، ويقاوم الكذب بثباته. كانت كاميرته قلبًا نابضًا، وعدسته عينًا للأمة، يلتقط الحقيقة في لحظتها، وينثرها للناس ضوءًا لا يخبو.

تلقى تهديداتٍ صريحةً من العدو الصهيوني، لكنه لم يتراجع، ولم يساوم على رسالته. ظل وفيًّا للمبدأ، صلبًا كحجارة غزة، نقيًّا كغيمها. أحبَّه الأطفال قبل الكبار، واقترب من القلوب دون إذنٍ أو قصدٍ أو مقابل، فكان عطاؤه خالصًا لوجه الله. صوته شجيٌّ، ولسانه رطبٌ بآيات الذكر الحكيم، ونبراته تتوشح باليقين والرجاء. كان ينتظره الملايين في كل بثٍّ حيٍّ، يترقّبون ظهوره كما يترقب الغريق شاطئ الأمان، فإذا غاب يومًا ساد الصمتُ شاشاتهم… فكيف اليوم وقد غاب الغياب؟

غزة التي اعتادت الفقد، لم تعتده منه. كانت تنتظر أن يبشّرها بصوت النصر، فإذا به يعود إليها شهيدًا، يزفّ روحه مع قوافل الشهداء الذين سبقوه. هناك، انطفأ مصباح الحقيقة، وسكت الصوت الذي لطالما صدح في وجه التضليل، رحل وهو يؤدي واجبه الإعلامي المقدس، رحل وهو يروي للأرض أخبارها، ويمنح للسماء أسماءها.

رحل صالح الجعفراوي… ورحل معه صدى كان يملأ المكان. رحل بعد أن رأى الرفاق يرحلون واحدًا تلو الآخر، فاختار اللحاق بهم إلى حيثُ لا خوفٌ ولا قصفٌ ولا فِراق. رحل بعد أن لبس ثوب العزة الموشّى بالدم الطاهر، وترك لنا إرثًا من النور، وصورةً من الإيمان لا تُمحى.

فهل يا تُرى يا صالح… من عودةٍ لصالحٍ آخر؟
أم أن غزة حين تنجب الرجال، تحتفظ بأسرار البطولة في رحمها حتى حين؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights