سلام على غزة .. انتصر الصبر على الحصار
خالصة الصلتي
سلام عليكم بما صبرتم، على وجوهكم التي واجهت الطغيان بثبات الجبال، وعلى قلوبكم التي ظلت تنبض بالحياة رغم أنف الموت.
سلام عليكم يا أهل غزة، أنتم الذين أعدتم تعريف الصبر، وكتبتم بدمكم معنى الكرامة، وعلّمتم العالم أن الثبات في وجه العاصفة هو أرقى أشكال البطولة.
سلام عليكم بما صبرتم…
سلام على من علموا العالم أن الصبر ليس ضعفا بل سلاحاً، وأن الثبات في وجه الإبادة انتصار لا تصنعه الجيوش بل تصنعه القلوب المؤمنة بالحق.
سلام على غزة، المدينة التي أبت أن تنكسر، ورفضت أن تكون سطرا في تقارير الموت، فكتبت بنفسها ملحمة الحياة.
كم يليق بك الفرح يا عزة، كأنك خلقت لتوازني بين النقيضين، ولتمنحي للوجع معنى الصبر، وللفرح مذاق النصر المؤجل.
يا زهرة الشرق التي تنبت على صخر، ويا ضوءا يتحدى العتمة في كل مرة، كيف لمدينة تقصف منذ عقود أن تظل قادرة على إنجاب الحياة؟ كيف لطفل لم يعرف سوى صفير الطائرات أن يضحك، وكأن السماء لم تفتح عليه أبواب الجحيم بالأمس؟
في غزة، لا ينهض الصباح على رائحة القهوة، بل على دوي الصواريخ، ومع ذلك تقام الصلاة في موعدها، وتغسل الأرصفة بالدموع، وتوزع الأمهات الخبز على الأطفال كأنه عهد الأمل الأخير.
منذ سبعمائة وثلاثة وثلاثين يوما والعالم يشهد الإبادة، يسمع أنين الأطفال ويغض بصره، يرى البيوت تسقط ولا يسقط خجلا.
ومن بين كل هذا الخراب، كانت غزة وحدها تقف.
لم ترفع راية استسلام، ولم تكتب وصيتها، بل كتبت بدمائها حكاية ستظل وصمة على جبين كل من تواطأ بالصمت.
كم مرة حاولوا أن يطفئوا نورك فاشتعلت أكثر، وكم مرة أعلنوا موتك فقمت من تحت الركام أكثر حياة، وكم مرة أرادوا أن يلغوا وجودك فإذا بك تكتبين وجود الأمة كلها من جديد.
سلام على مدينة لا تموت مهما أرهقتها العتمة، ولا تنكسر مهما تراكم عليها الرماد.
غزة التي تتوضأ بالدم لتصلي للحياة، والتي تتنفس من بين الركام لتقول: نحن هنا، ما زلنا على قيد الوطن.
يا غزة، أنت لست مدينة فحسب، أنت امتحان الضمير الإنساني حين يواجه الحقيقة، ووجه العروبة حين تنزع عنها الزينة.
أنت الوجع الجميل الذي يبقي فينا نبض العدل، والجرح النابض الذي يذكرنا بأن القضية لم تمت، وأن الوطن لا يختصر بخريطة.
واليوم، بعد سبعمائة وثلاثة وثلاثين يوما من النار، يعلن وقف إطلاقها.
يهدأ صوت السماء قليلا، وتتنفس الأرض، ويخرج الناس من تحت الركام كمن خرج من ظلمة القبر إلى ضوء الرحمة.
يغسلون وجوههم من غبار الحرب، ويصلون سجدة الشكر الأولى منذ زمن بعيد.
سلام عليكم بما صبرتم… وكم يليق بكم الفرح.
ذلك الفرح الذي لا يشبه أفراح الناس، فرح يخرج من تحت الأنقاض، نقي كولادة بعد موت، طاهر كدمعة أم نجت من اليتم مرة أخرى.
كم يليق بكم الفرح لأنكم انتزعتموه من بين أنياب الألم، وصنعتم من الحزن طريقا للنهار.
كم يليق بك الفرح يا غزة، لأنك لم تعرفي الانكسار، لأنك حولت الجراح إلى أناشيد، والدموع إلى رايات.
كم يليق بك الفرح لأنك لم تسجني في الخوف، ولم تمنحي للخذلان حق السكن فيك.
كنت الضوء في زمن الظلام، واليقين في زمن الشك، والصوت الذي لم يخفت مهما اشتد الصدى.
سلام عليكم بما صبرتم، لأنكم جعلتم من الألم وطنا، ومن الصبر سلاحا، ومن الكرامة عقيدة.
سلام على كل بيت تهدم ولم تهدم عزيمته، وعلى كل قلب نزف ولم يفقد إيمانه.
سلام على الأطفال الذين علمونا أن البراءة لا تموت، وعلى النساء اللواتي حملن الأمة في صدورهن وخرجن من المأساة أكثر شموخا.
اللهم تمم فرحتهم، وامنحهم سلاما يليق بثمن وجعهم،
اللهم اجعل ليلهم فجرا، وأيامهم القادمة عوضا عن كل ما فقدوا.
سلام على غزة، يوم قاومت، ويوم بكت، ويوم صبرت، ويوم فرحت أخيرا.
سلام عليكم بما صبرتم… وكم يليق بكم الفرح.



