القلوب الصافية كنوز لا تُشترى

صالح بن سعيد الحمداني
في عالمٍ صار يحكمه المال والماديات وازدادت فيه قيمة الأرقام والحسابات على حساب المشاعر والإنسانية وما زالت هناك أشياء نادرة لا يمكن شراؤها مهما بلغ ثراء الإنسان أو نفوذه، وعلى رأس هذه الأشياء تأتي القلوب الصافية؛ تلك القلوب النقية التي تمنح حبها وودّها ودفء مشاعرها بلا مقابل لأنها لا تعرف لغة التجارة في العلاقات وهي تتحدث بلغة العطاء الصادق الذي لا ينتظر ردًا، ولقد قدّم لنا الزمن دروسًا كثيرة تؤكد أن القلوب النقية هدايا نادرة من الحياة وأنها لا تُشترى ولا تُباع لأنها ببساطة لا تقدَّر بثمن، فربما تستطيع أن تشتري أغلى البيوت والسيارات والمجوهرات لكنك لن تستطيع أبدًا أن تشتري قلبًا يحبك بصدق أو نفسًا تمنحك الحنان والدعم بلا شروط، فالقلوب الصافية عطاء بلا حدود تشبه الينابيع العذبة التي تمنح ماءها لكل من يقترب منها دون أن تفكّر كم تبقى لها من مخزون ودون أن تنتظر شكرًا أو مقابلًا، هي قلوب لا تعرف الأنانية ولا تضع قوائم بالمكاسب والخسائر في علاقاتها لأنها تحب بفطرتها وتسامح بطبيعتها وتعطي لأنها وجدت في العطاء راحتها وسعادتها.
هذه القلوب لا تغيّرها الخيبات ولا تُفسدها قسوة الآخرين لأنها لا تمنح حبها كصفقة تجارية وإنما كحقيقة وجودية ومهما واجهت من خذلان تظل قادرة على الحب من جديد لأن نقاءها يمنحها قوة متجددة على الدوام، فالمال يستطيع أن يشتري الاهتمام الزائف والكلمات المزيّفة وحتى العلاقات المؤقتة التي تدور في فلك المصلحة ولكنه أبدًا لا يستطيع شراء الإخلاص أو الحصول على مكانة حقيقية في قلب إنسان نقي، لأن هذه المشاعر تُمنح فقط لمن يستحقها ولا تُباع في الأسواق، فالقلوب الصافية تختار بإحساسها لا بمصلحتها وتمنح حبها لمن يقدّرها لا لمن يدفع ثمنًا لها، وهذا ما يجعلها نادرة في هذا الزمن الذي باتت فيه العلاقات محكومة بالمصالح؛ حيث يقترب البعض منك ما دمت قادرًا على العطاء ويبتعدون حين تتغير الظروف، أما القلوب الصافية فتظلّ قريبة حتى في أصعب الأوقات لأنها لا تعرف الحسابات الباردة و تتحرك وفق دفء مشاعرها وصدق نواياها.
قد يتساءل البعض كيف نعرف هذه القلوب النادرة؟ الجواب بسيط هي تلك القلوب التي تمنحك الأمان النفسي وتشعرك بالراحة لمجرد وجودها في حياتك، هي القلوب التي تصدقك القول حتى لو كان مؤلمًا ولكنها لا تخونك أبدًا، وتفرح لفرحك بصدق وتحزن لأجلك لا لأجل مصلحتها، تعذرك إذا قصّرت وتلتمس لك الأعذار قبل أن تلومك، أصحاب هذه القلوب يشبهون النسيم العليل؛ وجودهم خفيف لكنه مؤثر وكلامهم قليل لكنه صادق وعلاقتهم بك لا تحتاج إلى تبريرات أو شروط معقدة، وبما أن هذه القلوب لا تُشترى ولا تُباع فإن من يجدها في حياته يجب أن يحافظ عليها بكل ما أوتي من حبّ وتقدير لأن خسارة شخص يملك قلبًا صافيًا تعني خسارة عالم كامل من الأمان والمشاعر الحقيقية وهو شيء لا يمكن تعويضه بسهولة، الحفاظ على هذه القلوب لا يكون بالكلمات وحدها، فالمواقف هي التي تثبت أننا نقدّر نقاءهم ولا نستغلّه وأننا نبادلهم الوفاء بالوفاء والصدق بالصدق والحب بالحب.
فقد يشتري الإنسان مظاهر السعادة لكنه لن يشتري أبدًا الجوهر الحقيقي للحبّ والوفاء والإخلاص، هذه الأشياء يمنحها فقط أصحاب القلوب الصافية الذين يضيئون حياتنا بحضورهم ويتركون بصمتهم في أرواحنا دون أن يطلبوا شيئًا في المقابل، وإن القلوب الصافية كنزٌ ثمين لأنها نادرة في زمن امتلأ بالتصنّع والمصالح، فتمسّكوا بمن يمنحونكم حبّهم بلا شروط لأنهم نعمة لا تتكرر كثيرًا في العمر.



