اللهجة العُمانية… بين الأصالة والاختطاف
يعقوب بن راشد السعدي
ليست اللهجة العُمانية مجرد أصواتٍ نتداولها يومياً لتيسير التواصل، إنها ذاكرة حية تختزن تاريخاً ممتداً، وصوتاً ينطق بعادات وقيم وأخلاقيات شكلت الإنسان العُماني عبر قرون، من جبال ظفار إلى سواحل الباطنة، ومن الشرقية إلى مسندم، ومن لهجة البدو في الصحراء إلى لهجات الداخل والبحر، تتجلى خصوصية نادرة لا يملكها سوانا. لكن هذه الخصوصية اليوم ليست بخير، إذ يزحف عليها غزوٌ لغوي صامت، يسلبها ملامحها، ويهدد بتحويلها إلى لهجة هجينة بلا روح ولا هوية.
الغزو اللغوي… حين تتكلم بلسان غيرك، يكفي أن تجلس في ساحة جامعة، أو تتابع حواراً بين مراهقين على تيك توك، لتدرك أن كلمات مثل: ما بدي، شدعوه، امبيه، وGlow up أصبحت جزءاً من أحاديثنا اليومية. المفردة العُمانية الأصيلة تُزاح وتُهمش، بينما تتقدم مفردات دخيلة مستوردة من اللهجات الخليجية والشامية وحتى من ثقافة الـ Gen Z العالمية. النتيجة؟ جيلٌ ينطق بلسان غريب في وطنه.
لماذا يحدث هذا؟ الإعلام الرقمي والمشاهير… نجم خليجي يكرر مفردة على سناب شات، فيسارع آلاف المراهقين في عُمان إلى تقليده بلا وعي. الأسرة… بعض الآباء أنفسهم يظنون أن هذه الكلمات علامة رُقي وحداثة، فيرددونها أمام أبنائهم، ليصبح الانحراف اللغوي طبيعياً.
التعليم الجامعي… قاعات يغلب عليها التعليم بالإنجليزية خلقت خليطاً من العبارات مثل: Psycho Daiko أو Yap a lot، تُتداول وكأنها بدائل طبيعية لكلماتنا. العولمة… سيول المحتوى المرئي العالمي تُغرق الشباب بلسانٍ ليس لسانهم، حتى بات الاقتراض اللغوي قاعدة لا استثناء.
ماذا نخسر؟ نخسر هوية لغوية هي عنواننا الأبرز، نخسر انسجام الأجيال، جيل الأجداد قد لا يفهم ما يقوله الأحفاد، نخسر تميزنا الوطني، إذ تصبح لهجتنا نسخة باهتة من خليط لا ينتمي إلينا. إنها ليست مجرد كلمات تتغير، بل روح مجتمع تُمسخ إن استمر هذا المسار.
على المؤسسات الرسمية أن تُعلن حالة طوارئ لغوية، وتربط اللهجة بالهوية الوطنية عبر الإعلام والمناهج. على التشريعات أن تضع خطوطاً حمراء أمام استخدام المفردات الغريبة في القنوات والمنصات المحلية. على المشاهير أن يدركوا أنهم مسؤولون أمام أجيال كاملة، فالكلمة التي ينطقون بها اليوم قد تصبح قاموس الغد. وعلى الشباب أنفسهم أن يقودوا مبادرات تحيي لهجتهم، توثقها وتنشرها بطريقة عصرية تجذب أقرانهم.
ما يجري ليس زلة لسان عابرة، نحن أمام معركة بقاء ثقافي؛ إما أن نصون لهجتنا العُمانية فتبقى هويتنا ناطقة بخصوصيتنا، وإما أن نُسلم أنفسنا للهجنة والانمحاء. اللهجة ليست تفصيلاً صغيراً في الهوية، إنها قلبها النابض، وصوتها المدوي، إن خفتت يعني أن شيئاً من روح عُمان نفسها قد تلاشى.



