الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

عابر سبيل «لمكة»

وداد بنت عبدالله الجابرية

سمعتُ كثيراً أن من ذهب إلى بيت الرحمن يتمنى أن لا تنتهي الفترة، وأن يعود إليه كل عام. فكنت أتساءل: كيف لهم أن يقولوا ذلك وأنا لم أجرب بعد ذلك الشعور الذي يجعل قلوبهم معلقة بالبيت العتيق؟

في بداية المشوار نظرتُ يميناً ويساراً فلم أرَ سوى رمال تلتف حولي، فحدثتُ نفسي: أهذا هو الشيء الذي تعلقت به قلوبهم؟!
فكل مكان ممتلئ بالرمال، حتى الشوارع غمرتها الرمال، إلى أن وصلتُ إلى المدينة المنورة.

ذلك البيت الذي يطيب له القلب، إنه مسجد رسول الأمة محمد صلى الله عليه وسلم. تسجد فيه سجدةً تتعافى، وتناجي ربك فتشعر بقربه. ثم مضى الوقت لننتقل إلى مسجد قِباء، لتنتهي رحلة المدينة المنورة بزيارة مسجد قِباء، وندخل في مرحلة جديدة، وهي مرحلة الغُسل في الميقات.

بدأت مرحلة الغُسل في الميقات، لتبدأ بعدها مرحلة الإحرام. كلها عبادات سريعة، تشفيك ثم ترحل لتشتاق إليها من جديد.

تأملت الطريق التي مضيتُ فيها، طريق طويلة جداً، فتذكرتُ رسول الله كيف كان يتحمل السير في هذه المسافة البعيدة. مضت الساعات وأفكاري تدور حوله، حتى وصلنا إلى الحرم.

في الحرم «البيت العتيق»…
تلك النظرات التي نظرتُ بها إلى مكة كانت كأنها حلم سأستيقظ منه يوماً، لكنها لم تكن حلماً بل واقعاً. هواء مكة علق قلبي به. طفنا وقلوبنا مملوءة بالنداءات، محلِّقة كالطيور من فرحتها. طفنا وبداخلنا تتعافى الجروح والكسور، طفنا وكأن العافية تنزل علينا. سعينا حتى ارتاحت النفس.

مضت الساعات سريعاً، وجاء وقت طواف الوداع. بداخلي كنت أتمنى لو لم يحن، فقد خيّم الشوق على قلبي. فدونت لمكة وخاطري مكسور:
«نار الشوق تحرق جوفي، وتنهمر أنهار عيوني، لما نادونا لطواف الوداع. في داخلي صرخات لا يعلمها إلا الله. فلو ناديتُ بها العالم الأصم لما سمعها، لكنها ناجت خالقها قائلة: ما كان ودي أتركك، ولكن أجبرني الوقت على فراقك يا مكة. أنا عابر سبيل أتيتك ملهوفاً شوقاً، لكني جُبرت على فراقك، فزاد الشوق شوقاً لكِ. متى سيحين اللقاء مرة أخرى؟ ليتني أتيه فيكِ وينساني الجميع، لأكمل باقي عمري في جوفكِ».

هنا أدركتُ معنى تلك الكلمات التي سمعتها من أفواه الآخرين: فحب مكة ليس كباقي الحب، إنما هو حبٌ بالروح والنفس. هنيئاً لمن استطاع زيارة البيت العتيق كل عام.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights