السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

التمكين الكشفي في الخليج: جيل يصنع، لا يُصنع له

محمد بن عبد الرحمن الزدجالي
قائد لجنة مستشاري الشباب الكشفي العماني

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشكل فيه التحديات الجديدة، لم يعد مقبولًا أن يُنظر إلى شباب الخليج في الجمعيات الكشفية كمجرد عناصر تنفيذية، أو وجوهٍ تجميلية في الفعاليات والملتقيات، فهؤلاء الشباب، بما يحملونه من وعي وطاقات واحتكاك مباشر بالواقع، يستحقون أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار، لا مجرد متلقين لتوجيهات جاهزة.

لقد قطعت الجمعيات الكشفية في الخليج العربي شوطًا مهمًا في احتضان الطاقات الشبابية، لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال التمكين الكشفي في كثير من الأحيان “شعارًا” أكثر منه “ممارسة حقيقية”؟ وهل نملك الشجاعة لننتقل من تمكين شكلي إلى شراكة فاعلة تؤمن بقدرة الشباب على الإسهام في رسم سياسات العمل الكشفي وتطوير أدواته؟

الشباب اليوم ليسوا أولئك الذين ينتظرون من يُخبرهم ماذا يفعلون، بل هم من يصنعون المبادرات، ويقودون التغيير، ويبتكرون الحلول. التجارب الخليجية التي منحت الشباب مقاعد في مجالس الإدارة أو أدوارًا قيادية في التخطيط والتنفيذ أثبتت أن الثقة بالشباب لا تؤدي إلى الفوضى، بل تفتح الباب أمام التجديد والنمو.

ولعل أهم ما يحتاجه التمكين الكشفي اليوم هو تغيير العقلية: من عقلية “نُعدّهم للمستقبل” إلى عقلية “نمنحهم الحاضر”. الشباب لا ينتظرون فقط ورش عمل وبرامج تطوير، بل ينتظرون أن تُؤخذ أصواتهم بجدية، وأن يُفتح أمامهم مجال المشاركة المؤثرة، لا الهامشية.

إن التجارب الشبابية الناجحة في بعض الجمعيات الكشفية الخليجية تمنحنا أملًا كبيرًا في أن التمكين الحقيقي ليس مستحيلًا، بل هو ممكن إذا وُجدت الإرادة،ففي بعض الدول الخليجية، على سبيل المثال، شهدنا بروز لجان شبابية كشفية تمتلك صلاحيات تنظيمية وتنسيقية، وتشارك فعليًا في صياغة البرامج السنوية، مما أضفى طابعًا واقعيًا على مفهوم “الشراكة مع الشباب”.

وفي دول خليجية أخرى، تميزت بعض المبادرات الكشفية بإشراك الشباب في فرق الابتكار والتطوير، وأُتيحت لهم فرصة التعبير عن رؤيتهم لتطوير بيئة العمل الكشفي بشكل يتناسب مع تطلعاتهم ومستوى وعيهم التقني والاجتماعي،فهذه التجارب وغيرها تؤكد أن إشراك الشباب لا يعني بالضرورة الفوضى أو ضعف المخرجات، بل يُنتج أفكارًا نابضة بالحياة ومُتجددة.

بل إن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط في إشراك الشباب، وإنما في قدرتنا كمؤسسات قيادية على الإنصات الحقيقي لهم، والتعامل مع آرائهم على أنها مصادر إلهام وتطوير، وليست مجرّد أصوات بحاجة إلى “توجيه”، حين يشعر الشاب بأن صوته مسموع، فإنه يتحوّل من مجرد عضو إلى “قائد بالممارسة”، ومن متلقٍ إلى صانع تغيير.

ولأن الحركة الكشفية في جوهرها تعتمد على المبادرة، وروح القيادة، والتجربة، فإن حرمان الشباب من تلك المساحات هو انتقاص لهوية الكشفية ذاتها. فالتمكين لا يجب أن يُختصر في ألقاب أو مناصب مؤقتة، بل في بناء منظومة مستدامة تعترف بقدرة الجيل الجديد على الإبداع، وتفتح له أبواب التأثير في كل مفصل من مفاصل العمل الكشفي.

وفي الختام، الجيل الحالي ليس بحاجة لمن يُصنع له الطريق، بل من يؤمن بأنه قادر على صناعته بنفسه، والتحدي الحقيقي أمام الجمعيات الكشفية الخليجية ليس في إعداد الخطط، بل في إشراك الشباب في كتابتها، وتنفيذها، وتقييمها.

التمكين لا يُمنح بالكلام، بل يُمارس بالفعل، وشباب الخليج الكشفي اليوم هم جيل “يصنع”، إن أُعطوا الثقة… فهل نبدأ؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights