السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

الاعتذار ثقافة راقية

 عائشة بنت سليمان القرطوبية

الإعتذار ليس ضعفًا بل قوة وثقة، وثقافة راقية، يذهب الهموم ويجلي الأحزان ويذهب الحقد ويدفع الصد، وليس إهانة للنفس كما يعتقد بعضهم، ويرى الكثير أن الإعتراف بالأخطاء والإعتذار يهدر كرامتهم، فلا يقوى عليه سوى قلة.

رغم أن الإعتذار يعبر عن صفات جميلة تحظى بالإعحاب، كالحب والمشاركة والتواضع ومعرفة المرء بقدر ذاته.

ولكن عندما يصل الأمر للإعتذار، يتملكنا التردد، أي أننا نقدر التواصع والإعتراف بالخطأ والصراحة، ولكن عندما تخرج الأمور عن السيطرة، يكون أول شيء نبحث عنه، هو شخص آخر نلقي عليه اللوم، رغم أننا نعلم بأن المكابرة رغم بريقها اللامع الأخاذ لا تزيد النار إلا اشتعالاً.

نحن نقدر الإعتذار بالمعنى المجرد، ولكن ندير له ظهورنا عندما يحين وقته، خاصة عندما تكون له تبعات، رغم أن الاعتذار في صالح المعتذر أو المخطئ وليس ضده، بل إنه دين ندين به إلى كل من أخطأنا في حقه، ويد حانية تمحو آثار الألم الذي لحق بهم بسببنا، ويجب أن يكون الإعتذار مرضاة لنفسك أولا عندما تقدم عليه، فهذا يفيد على جميع المستويات ويجعلك تعتذر بصورة أكثر فاعلية.

إن المخطئ يتكبد خسائر كبيرة رغم حجم المكاسب التي يجنيها من خطئه، حيث أن المسئ والمساء إليه يتضرران من الإساءة على حد سواء.

فالشخص الذي يخون مبادئه بإرتكاب الأخطاء ويترك شخصاً آخر يدفع الثمن، بقصد أو غير قصد؛ يكون قد تخلى عن جزء كبير من قيمه النبيلة التي تشكل روحه، فهو برفضه الإعتذار يغش نفسه، لأنه يناقض ضميره و إحساسه بالعدالة، وفي المقابل يدفع ثمناً فادحاً،  كشعوره بالقلق والأرق والاغتراب، وتصدع العلاقات ومواجهة صعوبات في مختلف عمله وحياته، وهذا ثمن لا مفر من دفعه برفضه الإعتذار والمكابرة على الخطأ.

الإعتذار ممارسة كما هو إتجاه، يدل على القيادة والإدارة الحكيمة، وأنه عامل يساعد على ترميم العلاقات المتصدعة، بل يدل على النضوج الشخصي،

فإرتكاب الأخطاء ليس هو بيت القصيد، لأننا جميعاً لسنا معصومين من الخطأ، ولكن الأمر يتعلق بأن ما نفعله مقابل الأخطاء التي نرتكبها قد يخطو بنا إلى الأمام وقد يجرنا إلى الخلف.

إن عبارة ” أنا آسف” من شأنها تعزيز الدعامات  الأساسية لأية علاقة من العلاقات الإنسانية، وهي الثقة والمصداقية والشفافية والتواضع، كما يمكنه تهيئة المناخ المناسب لبناء واستعادة وتعزيز الثقة والولاء مع الآخرين، وله قدرة على تهدئة العلاقات المتوترة، والتحرير من ضغائن الإنتقام، وتفجير طاقات جديدة داخلنا تساعد على النمو والتطور.

فالإعتذار ثقافة في غاية الأهمية في وقتنا هذا، وهو تمرين على السمو بالنفس، لأننا به نعلن عن تقديرنا لعلاقاتنا مع الآخرين أكثر من تقديرنا لحاجتنا الشخصية، به نظهر تواضعنا، ومصداقيتنا وشفافيتنا،

فعند العزم على الإعتذار، يجب أن نقوم به على أكمل وجه، لأن أنصاف أو أجزاء الإعتذارات تزيد الأمور سوءاً، وأن نتحمل المسؤولية كاملة عن تبعات كلماتنا أو تصرفاتنا المؤذية التي قمنا بها.

فبجب ألا نتردد في الاعتذار عن الأخطاء التي نرتكبها ولا ننظر إلى الإعتذار أنه كمجرد واجب، إنه هبة تساعدنا على تحقيق الكثير، وأنه قادر على فتح جميع الأبواب المغلقة أمامنا، وأنه دلالة واضحة على قوة الشخصية، وليس ضعفها .

ومن المهم نشر ثقافة الإعتذار وإفشائها في المجتمع، لأنها من مكارم الأخلاق الدينية العالية، وأساس مهم لبقاء الاحترام في العلاقات،

لأن المكابرة بعدم الإعتذار قد تتسبب في مشاكل كثيرة، فتتطور إلى منازعات وتهديدات لا أخلاقية،

كما يجب أن نضع في اعتبارنا أن الضعفاء هم من لا يعتذرون، يختلقون لهم الأعذار والمبررات للهروب، أمّا القوي فهو من يعتذر ويعوض عن الخطأ ويكفر عن خطيئته دون أي شعور أن ذلك يعيبه أو يُنقص من قدره.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights