سيُبهرك التوقيت الرباني
نورة بنت نجيم الدرعية
سيُبهرك توقيت الله.. حين ينقذك ممّا غرقت فيه، حين يجبر قلبك ممّا كُسر، ويعوضك عن كل ما خسرته. حينها، ستعلم أنَّ التأخير لم يكن عقابًا، بل مكافأة على صبرك، وأنَّ الحرمان لم يكن خذلانًا، بل لطفًا إلهيًا من أجلك. ستأتيك لحظة لم تكن في الحسبان، تشرق فيها روحك بعد عتمة، وتنقشع الأحزان وكأنها لم تكن، ستفرح بشيء طال انتظاره، وستدرك أن ما تأخّر، جاءك في الوقت المثالي، في اللحظة التي كنت فيها أحوج ما تكون.
حين تُستبدل أشياؤك التي حسبتها خسارات، بشيء آخر يُذهلك جماله، ستفهم أخيرًا أن يد الله تعمل لأجلك بصمت، وأن عينه لم تغفل عنك يومًا. ستُجبر، سترضى، وستطمئن، لأن الله لا يترك عباده في التيه مهما طال، ولا تُعلّق ستائر الليل بالحزن للأبد، فلا بدّ من فجر يمر على كل الستائر، فـ أبشر.
لكن، في لحظة ما، نصل إلى نقطة لا نملك فيها القوة لننقذ أنفسنا، مهما تداعينا التماسك. نصل إلى حافة لا يجدي فيها سوى أن نقول: “نجّني، فإني وحدي لا أملك شيئًا يُنقذني”. نجّني من نفسي، ومن خوفي المبهم الذي يسلبني طمأنينتي، ويعكّر عيشي. أبحث عن الخلاص، فلا أجد طريقًا، كل الطرق تعيدني للبداية؛ لأني استُهلكت تمامًا، وما حصدت شيئًا يعوّض ما قاسيت. لا أستطيع التعايش مع ما أنا عليه، ولا أملك تغييره. أنا مُستوحش، مشتت، غريب حتى في الزحام، أقف موضع المشاهد بينما تدور الحياة حولي وتدفعني حيث تشاء، كطفل دخل لعالم الكبار صدفة ولا يعرف كيف يعود.
نعم، كلنا هاربون، نبحث عن شيء واحد مهما اختلفت مسمياتنا ومظاهرنا.. نبحث عن الطمأنينة. نبحث عن كتفٍ لا يسأل، عن حضنٍ لا يُصدر حكمًا، عن شخص نثرثر أمامه لساعات دون خجل، نضحك معه من القلب، ونبكي أمامه من العمق ذاته، نبحث عمن يفهم قلوبنا التي تعلّمت التظاهر بالضحك، بينما في داخلها وجعٌ لا يوصف. نبحث عن الذي حين نذهب له في أسوأ حالاتنا يُهدئ عاصفتنا لا يزيدها، من يعرف موضع الجُرح ويمر عليه برفق.
كلنا نبحث عمن نبوح له قبل النوم بتفاصيلنا الشخصية ونحن واثقون بأنها ستبقى آمنة. هذه هي الطمأنينة التي نحتاجها: أن ننهار ونحن مطمئنون أن هناك من يتقبّلنا كما نحن، من لا تهتز دهشته بنا رغم عيوبنا، من يربّت على أرواحنا الهشّة ويهمس: “أنا هنا، حين تعصف بك الحياة، وحين يخونك الجميع، أنا الكتف الذي لن يخذلك”.
الطمأنينة ليست شيئًا تافهًا.. إنها الأمان الذي نبحث عنه في الناس، في الحياة، في الله. وإن وجدناها، هدأت أرواحنا، واستراح القلب



