سعيد غواص.. حين يترجل الفارس بهدوء الكبار
محمد بن العبد مسن
في محطات العمل، نلتقي بأشخاصٍ لا يشبهون إلا أنفسهم.. أشخاصٍ يحضرون بروحهم قبل حضورهم الجسدي، ويصنعون في محيطهم فرقًا لا يُقاس بالأرقام أو التقارير، بل يُقاس بحجم الأثر وجمال السيرة، والذكر الطيب.
وكان من هؤلاء، بل في مقدمتهم، الأخ والصديق والزميل: سعيد بن مسلم غواص (أبو سعود)، الذي اختار أن يترجل عن صهوة العمل العام، ويتجه بكامل إرادته إلى التفرغ لمشاريعه الخاصة، رغم أنه ما زال في ريعان العطاء والعزيمة.
لم يكن سعيد غواص مجرد زميل مكتب أو رفيق مهام يومية، بل كان نبضًا حيًّا في منظومة العمل، يحمل همّ المؤسسة كما يحملها أصحاب القرار، يبادر دون طلب، ويشارك دون تردد، ويبذل دون انتظار شكر.
عمله لم يكن روتينيًا، بل كان مزيجًا من الانضباط والابتكار، من الصمت الذي يسبق الإنجاز، ومن الهدوء الذي يصنع الثقة في المواقف الصعبة.
وكم من مواقف عرفنا فيها معنى “الرجال مواقف”، وكان سعيد حاضرًا، حاسمًا، راقيًا.
في سنواته الماضية، كان مثال الموظف الشريف الذي يُعلي قيمة الأمانة قبل المنصب، ويضع الاحترام في طليعة تعامله مع الجميع، صغيرًا كان أو كبيرًا. لم يُعرف عنه سوى الطيب، ولم نسمع منه إلا الجميل.
أما قراره بالتقاعد، فهو ليس انسحابًا، بل انتقالٌ إلى طورٍ آخر من البناء. قراره نابع من حكمة وقراءة ناضجة لمستقبله، وهو من أولئك الذين لا يتوقفون، بل يعيدون توجيه البوصلة نحو آفاقٍ أوسع.
نودّع زميلًا، لكننا لا نودّع أخًا.. ونطوي صفحة عمل، لكننا نفتح فصولًا من الدعاء له بالتوفيق في مساعيه القادمة.
نسأل الله أن يبارك له في وقته وجهده، وأن يجعل في كل خطوةٍ له بركة ونفع.
أبو سعود.. ستظل بصمتك شاهدة، وسيرتك عطرة، وذكرك بيننا لا يُنسى.
فشكرًا لك من القلب، ودُمت مرفوع الرأس كما عهدناك.




