الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

التعالق النصي بين القرآن الكريم ونهج البلاغة – خطبة همّام (صفات المتقين) مثالاً

د. حميد أبو شفيق الكناني
كاتب إيراني وحافظ للقرآن الكريم ونهج البلاغة…

ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعًا، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقًا، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ…

التعليق
أقول: ما جاء في القرآن الكريم إجمالًا في جملة واحدة، جاء في نهج البلاغة تفصيلًا وتمامًا على الذي أحسن، حيث قال الحق سبحانه في قيام الليل:

كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾
وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾
الذاريات

وقد نلتمس شرح ذلك في الخطبة الأولى من نهج البلاغة:
مُفَسِّرًا مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّنًا غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ.

ويُسقى بماءٍ واحد، وما غاب عنّا تفسيره وتعبيره، فهذا ما لا تبلغه عقولنا القاصرة، ولا تدركه ألبابنا المحدودة، ولا مانع أن نلتمسه في التعبد والتهجد إذا لم نعرفه في الخطاب والكتاب، لعلنا نلمسه ولو بعد حين.

وفي هذا القسم من الخطبة، عودًا على بدء، فقد جاء في بداياتها:
عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.

أحوالهم في النهار
وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ، عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ، أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَيَقُولُ: لَقَدْ خُولِطُوا! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ. لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ، فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ.

التعليق
هؤلاء هم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، تعرفهم بسيماهم، وحِلمهم، وعلمهم، وبرهم، وتقواهم. يزيدهم خوفهم من ربهم خشوعًا وطاعة وخضوعًا، فيخرون للأذقان سجدًا، ويزدادون معرفة بالله.
يحسبهم الناظر مرضى من التعبد، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ويحسبهم الظانّ ضعفاء من التذلل، وما بهم مرض ولا فقر ولا ضعف.

بل هم:
التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله. وبشّر المؤمنين.
التوبة: ١١٢

وفي عبارة جامعة ولامعة إجمالًا، ورد ذكر هذا المشهد ووصف هذا السلوك المفعم بالطاعة والعبادة لله في الخطبة رقم ١٩٠:

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَارًا تَخَشُّعًا وَاسْتِغْفَارًا، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا تَوَحُّشًا وَانْقِطَاعًا. فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآبًا، وَالْجَزَاءَ ثَوَابًا، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، فِي مُلْكٍ دَائِمٍ وَنَعِيمٍ.

لقد تساوى عندهم الليل والنهار، لما انقطعوا وانفردوا عن العالمين بالخشوع والاستغفار. وهكذا تنقّلوا في هذه المدارج حتى انتقلوا، فبلغوا تلك المعارج، وما يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم.
وهذه حال المتقين الأتقياء، والمؤمنين الأمناء.
وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَارًا تَخَشُّعًا وَاسْتِغْفَارًا، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا تَوَحُّشًا وَانْقِطَاعًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights