الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

كم جميل لو بقينا أصدقاء…

 صالح بن سعيد بن صالح الحمداني

كم من الكلمات حين تُقال تفتح في القلب نوافذ ضوء، وكم من العبارات حين تُهمس تشعل في النفس حرائق الحنين ومن بين هذه العبارات تظل جملة: “كم جميل لو بقينا أصدقاء”، من تلك العبارات التي لا تموت والتي تُقال حين تعجز بقية الحروف عن ترتيب مشهد الفقد أو لحظة الانكسار.

هذه العبارة ليست مجرد تمنٍّ عابر بل هي وثيقة صامتة توقّعها الأرواح حين تودع من كانوا يومًا قطعة من القلب، فيها دفء الصداقة وحنين الحب وألم الفراق ودهشة التحول، تُقال حين تصبح العودة مستحيلة ولكن الذكرى باقية ونابضة وحاضرة كما لو أنها لم ترحل قط.

في هذه الحياة، تمر علينا الكثير من الوجوه بعضها يعبر سريعًا كنسمة خفيفة لا نكاد نشعر بها وبعضها يترك في أرواحنا أثرًا لا يُمحى.

 نتقاطع، نقترب، نتماهى أحيانًا، ثم تنفرط خيوط الوصل فجأة أو ببطء وبين “كنا” و”صرنا” مساحة رمادية يتوه فيها القلب والعقل معًا.

قد نبدأ علاقة برائحة الورد بضحكة بريئة بنداء صادق: “صديقي”، “عزيزي”، “روحي”، ثم تنتهي الأمور بكلمة جافة أو صمت طويل أو تجاهل قاتل، ولكن يبقى في القلب سؤال يهمس: “أما كان يمكن أن نبقى أصدقاء؟”

“كم جميل لو بقينا أصدقاء” لا تعني بالضرورة التراجع إلى الوراء، أو تجاهل ما حدث من شرخ أو خذلان بل تعني التقدير لما كان والاحترام لما تبقى، تعني أن نختار الاحتفاظ بالجميل لا أن ندفن الذكرى تحت ركام الغضب والخذلان، هي نداء نابع من الأعماق يقول: لا تفسد كل شيء دع لنا شيئًا من الضوء، لأن في الصداقة متسع للحنين.

في عالم تذبل فيه العلاقات بسرعة البرق وتتحول فيه القلوب إلى محطات مؤقتة تصبح الصداقة آخر ما يمكن إنقاذه من غرق العاطفة، فالحب حين ينتهي يمكن أن يتحول إلى خصام أو تجاهل لكن حين يتحول إلى صداقة يصبح أنبل وأكثر نضجًا، وكذا الحال الصديق قد يتحول لعدو او حاقد او حاسد بفعل تفكيره بالانتقام او رد الدين او ما شابه ولكن ما أجمل الحياة لو لم ننسى الفضل بيننا وظل الاحترام سيد الموقف والمحبة رسول العلاقة الجميلة فقد تعود الحياة من بعد الخريف والصيف للربيع.

حين نكبر ندرك أن ليس كل من دخل قلوبنا سيبقى وليس كل من أحببناه يجب أن نحمله معنا في كل مراحل الحياة؟ ندرك أن بعض الأشخاص يدخلون لحظة ليعلمونا درسًا أو يشاركوننا فصلًا من الحكاية، ثم يغادرون بصمت دون ضجيج وربما دون وداع، فنحن في الحقيقة عندما نكبر… نتغير.

لكن وسط هذا الإدراك تبقى فكرة “الصداقة بعد الحب” أو “الصداقة بعد الرحيل” فكرة سامية تحتاج إلى قلوب قوية وعقول ناضجة وأرواح تُدرك أن الفقد لا يجب أن يكون عداوة ولا أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.

كم من علاقة انتهت بسبب كلمة أو موقف أو سوء فهم، وكم من صداقة كان يمكن لها أن تستمر لو أن أحد الطرفين فقط قال “لنختلف دون أن نفترق”، أو لو أن الآخر همس في لحظة غضب “دعنا نكون أصدقاء”.

طرف ترك الجمل بما حمل فيفضل البُعد عن القرب ليحفظ مكانة الطرف الآخر ويضحي بكل ما في العلاقة لأجل حفظ الود والمحبة والمعزة بل المكانة بين الطرفين ولكن الطرف الآخر للاسف لا يحس ولا يعرف قيمة “ما أجمل أن نبقى أصدقاء”، لأنه أصلاً لم يعرف معناها الحقيقي بل أنه كان عظامي على حساب الطرف الأول فهو لا يعي معناها، بل يعرف معنى إما معي أو ضدي.

ربما لا نستطيع دائمًا أن نعيد الأمور إلى نصابها وربما لا يكون من الواقعي أن تبقى جميع العلاقات حتى بعد انكسارها، محتفظة برونقها ولكن يمكننا أن نختار النهاية الأجمل والنغمة الأخيرة التي تُختم بها الحكاية لأننا ببساطة نعيش بين الرجاء والواقعية.

“كم جميل لو بقينا أصدقاء” ليست فقط عبارة ختام بل هي بداية جديدة، بتفاصيل مختلفة بخطاب أكثر هدوءًا وبتوقعات أقل، هي محاولة لترميم ما يمكن ترميمه، لا للعودة إلى الوراء بل للمضي قدمًا دون ضغينة.

علّمَتنا الحياة أن القلوب الواسعة هي التي تعبر الأيام بأقل الخسائر وأن الذين يتركون وراءهم الجمال، ولو بعد فراق هم الذين يخلّدهم القلب لا أولئك الذين أشعلوا الحروب ومضوا، لأن دائما في القلب متسع للجميع وزاوية يبقى فيها كل شي جميل.

فما أجمل أن نلتقي ونفترق ثم نلتقي من جديد ولكن بصيغة مختلفة بنضج مختلف بقلوب تعافت، وذكريات لا تؤلم بل تُضحك وتُعلم وتُهذب.

“كم جميل لو بقينا أصدقاء” لا تقال ضعفًا ولا تقال بدافع الشوق فقط، بل تقال احترامًا للتاريخ وتقديرًا للعشرة وامتنانًا لمن كانوا يومًا نورًا في دربنا، قد لا يكون البقاء ممكنًا لكن بقاء الودّ خيار، خيار لا يقدر عليه إلا من ملك الحكمة وارتقى فوق الجراح.

ففي عالم يمضي بسرعة وقلوب تتبدل بين ليلة وضحاها يبقى الأجمل أن نُبقي نوافذ الصداقة مفتوحة ولو من بعيد… فقط لنهمس لمن عبروا حياتنا يومًا

“كم جميل… لو بقينا أصدقاء.”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights