الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

قافلة الصمود.. يقظة الضمير الإنساني من برشلونة إلى غزة

خليفة بن سليمان المياحي

بدأت يقظة الضمير الإنساني تحرّك الوجدان العالمي في عدد من شعوب الأرض؛ فهبّ الكثير منهم ليقدّموا ما استطاعوا، تعبيرًا عن صدق مشاعرهم في مناصرة غزة والسعي لوقف سياسة التجويع التي تُمارس ضدها. ومن هذه الروح انطلقت قافلة الصمود الدولية من مدينة برشلونة في الحادي والثلاثين من أغسطس الماضي، حاملةً هدفًا عظيمًا يتمثل في كسر الحصار وإيصال ما تيسّر من الغذاء والدواء لأهل غزة المكلومين.

إنها وقفة إنسانية جليلة، ستُسجَّل في صفحات التاريخ، وصحوة لضمير البشرية بمختلف ألوانها وأجناسها وجنسياتها. همّهم الوحيد أن تصل القافلة بسلام إلى شواطئ غزة، فذلك – والله – انتصار كبير يُضاف إلى سلسلة الانتصارات التي يسطرها أبناء فلسطين، ويؤكد أن روح الإنسانية لم تمت بعد، وأن النخوة ما زالت قادرة على الظهور في زمن كاد أن يفقد القيم ويُهمل المبادئ.

إن المشاركين في هذه القافلة يدركون جيدًا أنهم ذاهبون إلى خطر محدق، وأن مصيرهم قد يكون مجهولًا، لكن ذلك لم يثن عزيمتهم ولم يكسر إرادتهم، بل زادهم إصرارًا على كسر القيود وهدم الأسوار التي تخنق غزة منذ أعوام، وتجرّع شعبها بسببها الجوع والعطش والموت، فطالت المأساة الأطفال الرضع قبل الشيوخ، والنساء قبل الرجال.

لقد تمادت إسرائيل في التنكيل والتعذيب والقتل والتهجير إلى حدٍّ لا يوصف، وحان الوقت أن يعود الحق إلى أصحابه، وأن يُنصَف أولئك الذين صبروا وصابروا على البلاء لأكثر من عامين متواصلين.
إن لقافلة الصمود رمزية خاصة في الوجدان العالمي، ورمزية أعظم في قلوب العرب والمسلمين، خصوصًا أبناء دول الخليج العربي الذين شاركوا فيها. لقد أحيت هذه القافلة بصيصًا من الأمل، وذكّرت العالم بواجب إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الأبرياء وسدّ رمق الجوعى في غزة. فإن نجحت القافلة في الوصول؛ فهو نجاح للإنسانية جمعاء، وإن حققت أهدافها فهو انتصار حقيقي لأهل غزة.

صحيح أن أكثر من ستين ألفًا قد ارتقوا شهداء، وأن مئات الآلاف جُرحوا أو شُرّدوا؛ إلا أن بقاء أهل غزة وصمودهم في أرضهم دليلٌ ساطع على قوة عزيمتهم، وعلى انتمائهم الأصيل لوطنهم وقضيتهم.
اللهم وفّق كل من ساهم في هذه القافلة، بالمشاركة المباشرة أو بالدعم والمساندة، ويسّر وصولهم إلى غزة العزة.

قد يتوقع بعضهم أن تعترض إسرائيل القافلة، أو أن تعتقل المشاركين وتساوم عليهم بالرهائن الذين في يد المقاومة، لكن حتى إن حدث ذلك فإنه سيُعدّ انتصارًا آخر، إذ سيوسّع دائرة الإدانة لإسرائيل أمام حكومات العالم والمنظمات الإنسانية، ويكشف وجهها الحقيقي للعالم أجمع. وسيكون ذلك سببًا في تأجيج الرأي العام الدولي، وربما دافعًا إلى مزيد من الضغوط التي تُرغم الاحتلال على التراجع وإنهاء الحصار، بل وقد تفتح الطريق يومًا لخروج إسرائيل من غزة، بإذن الله سبحانه وتعالى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights