السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
الخواطر

نقطة أول السطر .. لهبٌ لا يُطفأ .. تأملات في مصيرٍ مكتوب

عادل بن حميد الجامعي

ثمة لحظات في التاريخ، لا تأتي لتحذّر.. بل لتُعلن النهاية. وثمة أشخاص، لا يُطلب منهم الرجوع بل يُقال عنهم: تبّت يداهم، وكأن الطريق قد أُغلق، والمهلة قد انتهت..

في سورة قصيرة حارقة، جاءت الكلمات كالصفعة، كالسيف الأخير:

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

لم تكن دعاءً، بل بيانًا.. ولم تكن تحذيرًا، بل حُكمًا..

سورة المسد ليست عن شخصٍ واحد فقط، بل عن نموذج بشري خُلِق من لهب الكبرياء، واصطلى بنار العناد.

عن ذاك الذي كان يرى النور في عيون ابن أخيه، في وجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه آثر الظلمة لأن فيها سلطانه.. !

كان يسمع القرآن، ويعلم أن الكلمات ليست من جنس البشر، لكنه كبّل أذنه بالغرور، وختم قلبه بالخوف من انكسار الكبر..

إنه الرجل الذي رأى الحق، لكنّ مصالحه صرخت في وجهه: إياك أن تضعف! فاستكبر..

واستمرأ طريق اللظى، حتى نزلت فيه آيةٌ، لن يُمحى أثرها إلى قيام الساعة..

لكن العجيب ..

أنه بقي حيًّا بعد نزول السورة..

سمعها تُتْلَى، ونزلت باسمه، وكان بمقدوره – لو أراد – أن يكذب القرآن، بأن يُسلم أو يُظهر التوبة، لكنه لم يفعل..

وكأن السورة حين نزلت، طبعته.. أغلقَت عليه باب الرجوع، أو لعله أغلقه بنفسه حين اختار اللهب دون النور.

كم من أبي لهبٍ في زماننا؟!

كم من صاحب سلطان يرى الطوفان قادمًا، فيزداد غرقًا؟

كم من متصدرٍ للناس، ظن أن كرسيه أخلده، فظنّ أنه لا يُسأل عما يفعل؟

كم من يدٍ تمضي إلى التبّ والهلاك، لكنها تظن أنها تُمسك بزمام المجد؟

إن سورة المسد ، لم تكن في جوهرها عن عمّ النبي، بل عن كلِّ من أعرض عن الحقيقة طواعية، واختار اللهب على الله .

عن أولئك الذين تحجّرت قلوبهم، حتى ما عاد للرحمة فيها منفد..

عن الذين لا تغيرهم الكلمات، ولا توقظهم العبر، ولا تردعهم آيات، حتى وهم في مواجهة المصير.

وامرأته حمّالة الحطب

هي الأخرى لم تكن مجرد زوجة، بل كانت شريكة في التجييش، في الحقد، في إشعال الحرائق النفسية ضد الحق..

وكأن الله يقول: لا يُحرق اللهب جسد صاحبه فقط، بل كل من كان وقوده، وكل من جمع الحطب ليشعل الكراهية.

في عالم اليوم، نعيش زمن المسد من جديد..

نرى الوجوه المطفأة، والقلوب المحترقة، والأنظمة التي ترفض الاعتذار، وتخشى النور أكثر مما تخشى النار. لكننا أيضًا نرى القرآن باقيًا، يشير بوضوح:

ليس كل من طغى يُمهَل إلى الأبد.

وليس كل من ملك، مَلَك قلوب الناس.

وسيبقى صدى السورة يطرق على أبواب الغافلين:

تبّت يداك… إن خُتم على قلبك، وأبيت الرجوع.

فالنار لا تبدأ في الآخرة فقط، بل تبدأ من داخل الصدر.. حين يُطفأ النور، ويُشعل الكبرياء.

اللهم نصرك وفتحك

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights