الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

“إجادة”.. حين تسعى الحكومة إلى التميز وتعلو الأصوات بين مؤيد ومتحفظ

محمد بن العبد مسن

في قلب المساعي الوطنية الحثيثة نحو بناء جهاز إداري فاعل ومتجدد، انبثق برنامج “إجادة” في سلطنة عُمان كنافذة أمل نحو إدارة أكثر كفاءة، وموظفٍ أكثر التزامًا، ومؤسسةٍ تتنفس روح التميز والتطوير. هو برنامج لا يُشبه سواه، ليس مجرد آلية للتقييم، بل فلسفة جديدة في فهم العمل العام، تقيس الجهد، وتكافئ الإتقان، وتفتح الأبواب أمام ثقافة جديدة من المسؤولية.

حين يزهر الطموح في بيئة العمل

“إجادة” ليس مجرد اسم، بل عنوانٌ لطموحٍ كبير أراد له صُنّاع القرار أن يُثمر في مؤسسات الدولة. البرنامج يحمل بين طياته رؤية واضحة: أن تكون الجودة مقياسًا للترقي، وأن يصبح الأداء الحقيقي هو الفيصل، لا المجاملة ولا العلاقات الشخصية. فالموظف المجتهد لم يعد مجرد رقم في قوائم الرواتب، بل بات شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار والتغيير.

اللافت في “إجادة” هو أنه يحفّز روح المنافسة البنّاءة بين الموظفين، ويُكرّس مبدأ “لكل مجتهدٍ نصيب”. فقد رُبطت التقييمات بالمكافآت، والترقيات بالإنجاز، في خطوةٍ لطالما نادى بها كثير من الموظفين الباحثين عن عدالة وظيفية تُنصف المخلصين وتضع كل شخص في مكانه المستحق.

الوجه الآخر للعملة: حيث تكمن التحديات

لكن، وكما هو الحال مع كل مشروع طموح، لم يَسلم برنامج “إجادة” من الانتقادات، بعضها محق، وبعضها ناجم عن غياب الفهم أو ضعف التهيئة. فعددٌ من الموظفين عبّروا عن ارتباكهم تجاه آلية التقييم، وتساءلوا عن مدى موضوعيتها في بعض الجهات. هل التقييم فعلاً مبني على الأداء؟ أم أن هناك من لا يزال يمرّ من بين الثقوب القديمة؟

كما أن نقص التدريب للمُقيّمين وعدم توحيد المعايير بين المؤسسات ألقى بظلاله على نزاهة التطبيق. في بعض الحالات، شعر الموظف بأن ما يُحسب له من جهد لا يُحتسب، أو أن آراء المسؤولين تطغى على الواقع، فتُحبط العزائم بدلًا من أن ترفعها.

ولعل من أبرز التحديات أيضًا أن بعض الجهات الحكومية لم تتواءم بعد مع هذه الرؤية الحديثة، فبقيت تدور في فلك الأنماط الإدارية التقليدية، غير القادرة على مواكبة روح “إجادة”.

خاتمة: بين النقد والبناء تكمن الحقيقة

يبقى “إجادة” خطوة ضرورية في مسار طويل نحو إصلاح الجهاز الإداري، ولا يمكن أن نحكم عليه من بداياته فقط. فلكي تؤتي مثل هذه البرامج أُكلها، لا بد من مراجعة دورية، وتغذية راجعة من الميدان، واستعداد حقيقي للتطوير والتصحيح.

فالبرنامج – رغم كل ما قيل – يظل محاولة جادة لرفع سقف الكفاءة في مؤسسات الدولة، وتحويل العمل الحكومي من وظيفة تقليدية إلى مشروع وطني ينبض بالحيوية والالتزام.

إن “إجادة” هو البداية، لا النهاية. وهو مرآة تُظهر لنا ما يجب أن نكون عليه، لا ما نحن عليه فقط. وبين التحدي والطموح، تبقى الكلمة الأخيرة للميدان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights