الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

فلسفة التفويض

د. طالب بن خليفة الهطالي
في سياق العلاقات الإنسانية والمهنية، لا تُختبَر القيم في مواسم الرخاء، بل تُستدعى إلى الميدان حين تضيق المساحات بين المصلحة والمبدأ، وحين تعلّق التوقعات على أعناق الذين نثق بهم دون قيد أو شرط. الثقة كلمة كثيرا ما نتداولها في حياتنا اليومية فهي ليست مجرد شعور مجامل يربط بين طرفين، ولا عاطفة ترفرف في أجواء الحديث العابر، بل هي عقد غير مكتوب يقوم على معنى دفين معناه أن أمنحك صلاحية التصرف نيابة عني في غيابي وقبل سؤالي، وأن أطمئن إلى أنك تحفظ الأمانة حين لا يُطالب بها. لكن ما أثقل لحظة الخذلان حين تتكشف لنا الحقيقة لا لأنها جديدة بل لأنها كانت مغطاة بستار من حسن الظن، أو دفء العشرة، أو ثقل الماضي المشترك، وقديما قال الشاعر وهو يختصر عمرا من العبر:
إذا امتحنَ الإنسانُ صاحبَهُ بدا :::: لهُ حقيقةُ ما يظنُّ ويحسبُ
فما أكثر الذين نحسن الظن بهم لكننا نعجز عن اختبار معدنهم وما أكثر الذين نحسن إليهم لكننا نفشل في قراءة أثر الإحسان فيهم: هل أورثهم وفاء؟ أم استعلاءً مقنعا؟ أم استغلالا ناعم اللهجة؟ في هذا المقام لابد لكل قائد أو صاحب رسالة أن يقف لحظة صدق أمام مفترق دقيق، حين لا تتكافأ الثقة مع الحقيقة، وحين يظهر أن التفويض قد سيِّر لغير ما أُريد له، وحين تكتشف أن العلاقة التي بنيت على الإخلاص لم تكن متبادلة، وأنك رغم كل الحكمة كنت تُستَغل وأنت تبتسم.
من هذه اللحظة يبدأ وعي جديد نعيد فيه النظر في الفرق بين الثقة والمسؤولية، ونتأمل فيه حدود التفويض، ونجيب عن السؤال القيادي العميق: متى ينبغي سحب الثقة؟ وكيف نخرج من العلاقة الخاطئة بكرامة لا بانكسار؟ ففي هذا المسار الملتبس بين الآية والحكمة وبين الشاعر والفيلسوف، نبحث عن اتزان راشد يقود النفس إلى التبصر لا إلى التمرد، وإلى الحزم من غير قسوة، وإلى الانسحاب دون أن نترك رمادا يحرق أحدا بعد انطفائنا.
كثيرا ما تختلط على الناس حتى على القادة مفردات العلاقات حين تُبنى على غير وعي، فيظنون أن من أعطي المسؤولية فقد نال الثقة، وأن من نثق به، فهو بالضرورة أهل لتحمل الأعباء؛ لكن التجربة لا اللسان هي التي تكشف الحقيقة وهي أن الثقة شيء والمسؤولية شيء آخر، وإن تلازما في الظاهر، فالثقة شعور داخلي أما المسؤولية فهي التزام خارجي. الثقة تمنح، والمسؤولية تُحمّل. الأولى علاقة بين قلبين، والثانية علاقة بين نظامين. فالثقة تنشأ من الاطمئنان الباطني، وغالبا ما تُعبَّر عنها بنبرة أو سكوت مقصود أو قرار ضمني، أما المسؤولية فمحددة باللوائح منصوصة في العقود محكومة بالبند والمادة والتوصيف. قد نثق بإنسان دون أن نحمّله مسؤولية، وقد نحمّل إنسانا مسؤولية دون أن نثق به، لأن الحاجة فرضت أو الهيكل الإداري اقتضى ومن دقة التعبير القرآني، ما جاء على لسان ابنة شعيب عليه السلام في ترشيحها لموسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ]سورة القصص، الآية 26[ فقدّمت الأمانة وهي صورة من صور الثقة على القوة لأن القلب قبل الكتف ولأن حسن النية قبل براعة التنفيذ ولأن المسؤولية إن أُعطيت لمن لا يصدق، انقلبت عبئا على من فوض، لا على من حُمّل.
هنا تتجلى إحدى الإشارات الفلسفية العميقة في قيادة العلاقات نجد أن الثقة مقدمة طبيعية للتفويض لكنها لا ينبغي أن تمنح دون اختبار ولا أن تتحول إلى غطاء يغني عن الرقابة ولا أن تجمَّل بالعاطفة حتى تُغفل عن الخلل في الأداء، فالتفويض في عالم القيادة ليس مجاملة ولا إحسانا ولا رد جميل، بل عملية هندسية دقيقة تبنى على أساسات متينة كما تبنى القلاع وتبدأ بثقة أولية مشروطة يعقبها اختبار صامت للسلوك تحت المسؤولية ثم تدرج في تسليم المفاتيح وأخيرا رقابة خفية تكشف معدن الصدق من وهم الصورة فالقائد الذي يفوض دفعة واحدة دون مسار يبنى أو وعي يراقب كمن يسكن بيتا لم يفحص أساسه ثم يتعجب من تصدعه عند أول ريح إذ أنه ليس كل من يتكلم بالصدق يكون أمينا في الفعل ولا كل من حفظ الود في الحديث كان جديرا بأن يؤتمن على القرار فالأخلاق لا تختبر في الكلام بل في الأفعال حين تغيب الرقابة وتمنح المساحة.
نفهم من ذلك أن التفويض لا يمنح لمجرد أنه يستحق بالكلام، بل لأنه يثبت في المواقف الصغيرة أنه يُدار بوعي. فبدايته كلمة ثقة ووسطه مساحة تجربة ونهايته تمكين لا يحتاج إلى رقابة دائمة، لأنه يفرض الرقابة على نفسه وعندما يكتمل هذا النوع من التفويض، ينشأ ما يعرف بالتمكين الحقيقي، أو ما يمكن وصفه بـالتفويض الناضج؛ ذلك التفويض الذي لا يمنح بقرار عابر بل يبنى بمسيرة طويلة من التجارب المتراكمة.
الخيانة ليست دائما طعنة في الظهر بل قد تكون في وجه مبتسم وقلب مضمر، وقد تكون في تقدير ظاهر تخفي خلفه مصلحة باردة، أو في كلمات الوفاء بينما النية تخطط للاستغلال. الثقة لا تختبَر حين نخطئ بل حين نغيب، حين نظن أن العلاقة بلغت من النضج ما يغني عن التذكير، فإذا بنا نكتشف أن ما بني لم يكن إلا فوق قشرة، وأن الطرف الآخر لم يكن شريكا في القيم بل مستفيدا من المساحة. هنا تبدأ أزمة القائد النزيه أو المسؤول العادل أو الإنسان الطيب لا لأنه خُدع فالخداع احتمال لكل من يحسن الظن بل لأن الخديعة وقعت من داخل المساحة التي فتحها هو بنفسه.
قال أحد الحكماء: من لم يحسن قراءة أثر ثقتك في غيرك فثقتك لا تدل على حكمة، بل على سذاجة مغلفة بالطيبة وفي هذه اللحظة الحرجة يقف المرء على حافة خيارات صعبة بين أن ينتقم فيخسر قيمه أو يكابر فينكر الخذلان، أو ينكفئ فيفقد ثقته بكل الناس، لكن القيادة الحقيقية كما الإيمان تبنى على حزم بلا غلظة، وانسحاب بلا ضجيج، وتعديل بلا تشهير، فإذا ثبت أن الثقة لم تكن في محلها فلا تحمّل نفسك وزر الكرم، بل غيّر موقعك في الصورة، واخرج من العلاقة بأدب دون أن تساوم على كرامتك أو تقايضها على موائد التبرير.
ونستنبط مما تقدم ان الثقة تبنى ببطء وتهدم بلحظة لكنها لا تلغى من معجم الحكماء، بل يعاد توزيعها بميزان، وتزرع حيث تثمر وتمنح لمن أثبت أنه جدير بها وعندما تختبَر لا ندفن التجربة تحت الانفعال بل نستخرج منها درسا يقوينا لا يكسرنا ويهذبنا لا يعزلنا فالثقة جوهرة والتفويض مسؤولية والمحاسبة عدالة، والانسحاب النبيل… قيادة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights