عمان ماضيها يخبر عنها
خوله كامل الكردي
لطالما كانت ولا تزال سلطنة عُمان عاصمة الحضارة العربية والإسلامية في قلوب وعقول الأوفياء لأمتهم العربية والإسلامية، وشواهد عراقتها منذ عقود طويلة ترسخ أصالتها وإخلاصها لعقيدتها وثقافتها العربية الأصيلة، فالزائر لها يلحظ معالم أثرية مميزة تتسم بالبساطة المتناهية مطعمة بنقوش قمة بالدقة والأناقة تعبر عن فكر هاديء ورزين، وواجهات محال تجارية تنطق بآثار حياة سكنت جنباتها وأبواب ونوافذ تزينها زخارف غاية في الجمال والرقي، فمن بيوت قديمة إلى قلاع وحصون اعتنى العمانيون بأدق تفاصيلها، إلى مساجد تشير بتمسك الأسلاف بعقيدتهم السمحاء، لترسم صورة ذهنية رصينة عن شعب لا يمكن لأي ناظر أو مطلع على الحضارة العمانية إلا أن يعجب بها، أو أن يغفل إرادة الشعب العماني الصلبة في بناء دولته العتيدة، وإيمانه الثابت في مقارعة الاحتلال البرتغالي آنذاك، وقصص مقاومة أبطاله الشجعان، لدحر المستعمر واستعادة أرضه الطيبة المباركة.
فلم يزد أهل عُمان تحدي صلف المحتل البرتغالي ومناكفته، إلا تعلقاً بدينهم وتراثهم العربي الإسلامي العظيم، ولم تفلح محاولات أولئك المستعمرين لثني أهل عمان عن نصرة دينهم ووطنهم، أو حتى كسر شوكة عزيمتهم وإصرارهم على طردهم، والتخلص من براثن تغولهم في حياتهم.
وصورة الرحالة العمانيين كالرحال إبن ماجد حاضرة في الذاكرة الذي برع في خوض غمار البحار، واستقصاء أعماقه وسبر أغواره، فسجل العديد من مشاهداته الحية وخبرته في مجال الإبحار، فزخرت مخطوطاته بمعلومات قيمة لخص فيها تجربته الطويلة في البحر وأحواله، حتى استفاد منها العديد من الرحالة خاصة الأوروبيين منهم، ومن أقدم مخطوطاته كتاب سماه (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد)، حيث عد من أقدم الوثائق المدونة عن الملاحة وفنون الإبحار، وله الفضل في تأسيس علم ما يعرف بعلم البحر. فإذا ما ذكرت عمان تبرز صورة العماني العاشق للبحر والماهر في كسر حاجز الخوف من بيئة البحر القاسية والغامضة، استطاع أن يروضها ويطوعها ليكون سيد البحر بلا منازع.
والناظر إلى سلطنة عمان في عصرنا الحاضر ينبهر بالسكينة والطمأنينة التي تشرف عليها دور ومساكن العمانيين ومعالمها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فلا تجد مباني شاهقة كالتي تراها في أغلب مدن العالم، والتي انفتحت على الحداثة والتطور بشكل كبير، لكنك ترى مباني وسطية في ارتفاعها جمالها في الزهد ببنائها والبساطة في التعاطي مع التغيرات العصرية السريعة، والتواضع في مواكبة التطورات التي طرأت على المجتمعات الإنسانية، وهنا يكمن روعة الحضارة العمانية الحديثة، الاحتفاظ بالمزاوجة بين تراثها المهيب وأصالة ماضيها، انسجما بأسلوب مميز ونوعي مع التقدم التكنولوجي وعصر العولمة، إلى الحفاظ على وجه الحضارة الحقيقي، ومقاومة مظاهر التطور الفاحش الذي قد يقتل روح الموروث العربي العماني الذي تربى عليه الأجداد.
وقت ما يقع بصرك أيها القادم إلى السلطنة تشعر براحة تسرى في ضلوعك، وطمأنينة وجدانية تعيدك إلى عبق عقود تليدة تجوب أرجاء عمان، تذكر المتبصر بتاريخ عمان المجيد، وتأخذ بيده إلى عوالم من السعادة الداخلية العميقة، وكأنه يقف أمام بر أمان، تداعب نسائمه أفكاره ووجدانه، يمني النفس أن يطول به المقام في أرض عمان العزيزة.
ماضي عمان هو ( الحكواتي) الذي يحكي حكاية شعب طيب معدنه كالذهب، ينحني لتضحياته كل مخلص أمين، لأجل عزة ورفعة أمته العربية العظيمة الخالدة.



