حين تصرخ الهوية في وجه الانكسار
د. طالب بن خليفة الهطالي
في عالم يزداد ضبابية وتخبّطا، حيث تتسارع الرياح العاتية مهددة الاستقرارَ النفسي والعقلي للأفراد، يعصف بالإنسان بحرٌ من الهويات المتعددة والآراء المتناقضة. وفي زمن تتلاشى فيه الثوابت، وتتهاوى القيم تحت ضربات العولمة والانفتاح المفرط، تصبح الهوية البشرية هدفاً سهلاً للاختراق والتشويش. وفي هذا السياق، تبرز الهوية كصوت يصرخ في وجه الانكسار، محاولةً العودة إلى جذورها وأصالتها في مواجهة العواصف المتزايدة. ومع تزايد التحديات، لم يعد الانتماء المجتمعي وحده كافياً لترميم ما تمزّق من الداخل؛ فقد أصبح العديد من الأفراد أجساداً تعيش في أوطانها، بينما عقولهم وأفكارهم تائهة في غربات الآخرين. ولعل أخطر ما تواجهه النفس الإنسانية اليوم هو هشاشتها الداخلية، عندما تفقد قدرتها على المقاومة، وتتهاوى أمام الرياح العاتية للأفكار الدخيلة والمغريات العابرة.
إنّ الانكسار الداخلي لا يبدأ من الخسارات الظاهرة فقط، بل هو نتيجة ضعف في الإحساس بالهوية، وفقدان للقدرة على الترابط مع الذات؛ فكيف يمكن للإنسان في هذا العصر المليء بالتشويش أن يبني شخصية صلبة؟ وكيف له أن يواجه تلك المؤثرات السامّة التي تحاول تدمير تماسكه الداخلي؟ إنّ الهوية ليست ترفًا فكريًّا، بل هي جوهر الوجود الإنساني؛ فقد عرّف القرآن الكريم الإنسان وربط وجوده بالاستخلاف: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: 30]،وهذا الاستخلاف يعني مسؤولية الهوية وصيانتها من التبدل والاضمحلال. فالفرد الذي يعرف ذاته ويعي رسالته، تتشكل داخله مقاومة ذاتية لكل محاولات التهميش والإذابة. وتشير دراسات علم النفس إلى أن الهوية القوية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتقدير الذات المرتفع، والشعور بالمعنى والهدف (Erikson, 1968). وهنا نفهم أنّ الانكسار الداخلي لا يبدأ بالخسارات الظاهرة، بل بضمور الحس بالهوية، وفقدان الإحساس بالمكان والغاية. وقد ظهرت مصطلحات مثل “الهشاشة النفسية” (Psychological Fragility) في الأدبيات الحديثة لتصف جيلًا سريع الانهيار أمام النقد، ضعيف التحمل لضغوط الواقع، عاجزًا عن ترميم ذاته بعد الخسارة.
وقد ناقش الدكتور إسماعيل عرفة هذه الظاهرة في نظريته حول هشاشة الأجيال الحديثة، مبينًا أنّ غياب الهوية الداخلية الصلبة هو السبب الجوهري لهذا الانهيار، ويقول في مؤلفه: “كلما افتقد الإنسان بوصلته الداخلية، صار أكثر عرضةً للانكسار بأضعف المؤثرات الخارجية.”(عرفة، الهشاشة النفسية، 2020) وينطبق على هذا المشهد قول الشاعر:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ::: يُهدَّمْ عليه الحوضُ وهو ذليلُ
ومع هذا الكم الهائل من التحديات والرياح العاتية التي تهبُّ على النفس الإنسانية، تصبح الحاجة ملحة إلى بناء حصن داخلي يحمي الهوية، ويثبّت الشخصية أمام أعاصير الانكسار.
إن مقاومة التفتت الداخلي لا تولد من فراغ، بل تحتاج إلى ثلاث دعائم رئيسة، تمثل الأساس الذي تُبنى عليه شخصية صلبة متماسكة:أول هذه الدعائم: التجذّر في الأصل العقدي والفكري؛ فالإيمان العميق بالله، ومعرفة رسالة الإنسان في الكون، هما النبع الأول للثبات. قال الله تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112] فالثبات هنا ليس خيارا، بل فريضة تقتضيها طبيعة الإيمان الحقيقي. فمن استمد جذوره من السماء، ثبتت قدماه على الأرض، مهما عصفت به رياح الفتن. ثانيها: الاستقلالية الفكرية؛ إذ لا بدّ للإنسان أن ينمّي قدرته على التفكير النقدي، وأن يحرّر عقله من التماهي مع كل صوت صاخب أو فكرة عابرة. فالعقل السليم هو ذاك الذي يُمحّص ويزن الأمور بميزان الضمير والوعي، لا بميزان التبعية العمياء. وثالث هذه الدعائم: الصحبة الصالحة؛ فهي الملاذ الآمن للنفس في زمن الغربة الفكرية، إذ تحيط الإنسان بهالة من السكينة واليقين. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ::: فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
وهكذا، يصبح السير نحو التماسك الداخلي رحلة تبدأ من العقيدة، وتنضج عبر العقل الواعي، وتستمد زادها من الرفقة الطيبة، حتى يكون الإنسان صلبا كالطود، ثابتاً كالشجرة الضاربة جذورها في أعماق الأرض. واليوم، ونحن نواجه الكثير من التحديات المختلفة والمتنوعة يمكن القول إن الهوية لم تمت، لكنها تصرخ مستغيثة وسط الضجيج. نعم، إنها تصرخ في قلب كل شاب شعر باغتراب داخلي، وفي كل فتاة فقدت توازنها أمام مقاييس الجمال المصطنعة، وفي كل شخصٍ تحاصره مثاليةٌ زائفة عبر الشاشات. إنّ هذه الصرخة ليست علامة ضعف، بل دعوة لاستعادة الوعي. فلعلّ في ذلك الصدى المكلوم ميلاداً جديداً لنفوسٍ تتعلّم أن تمشي على أشواك العالم دون أن تفقد ملامحها، وقلوب تعرف أن الألم جزءٌ من الرحلة لا نهايتها.
ويمكن القول: إنّ بناء الهوية الصلبة ليس ترفا، بل ضرورة وجودية في عالم يكاد يصادر معاني الإنسان. ويصبح الحفاظ على الهوية فعلاً بطولياً وصرخةً حرّة في وجه الانكسار.
فليكن شعارنا في هذه الحقبة العاصفة ما قاله المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ ::: فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ



