المعاملة الطيبة والرحيل المحمود

صالح بن سعيد الحمداني
في رحلة الحياة تتقاطع طرقنا مع الكثير من الأشخاص ونكون في بعض الأحيان جُلساء لهم وفي أحيان أخرى عابري سبيل في حياتهم وفي كل موقف نعيشه، وفي كل لقاء نحضره تترك أفعالنا وأقوالنا أثرًا لا يُمحى في القلوب، ولذا قيل بحق: “إن جلست فكن خير جليس، وإن رحلت فاترك أثرًا جميلًا.”
الجلوس الطيب صحبة تروي الأرواح
حين تجلس مع الناس فإنك لا تقدم فقط جسدك في المكان بل تقدم فكرك وذوقك وأخلاقك، الجليس الطيب هو من يُشعر من حوله بالراحة والطمأنينة من يروي عطش القلوب بكلمة طيبة ونصيحة صادقة وضحكة بريئة تملأ المكان حبًا وأملاً.
كم من جلسة قصيرة بقيت خالدة في الذاكرة لأنها زُرعت بالخير! وكم من كلمة صادقة قيلت في لحظة فأنقذت قلبًا من الحزن وأحيت فيه الأمل من جديد! هكذا يكون الجليس الصالح بلسمًا للأرواح ونورًا للطرق.
وقد أوصانا النبي محمد صلى الله عليه وسلم باختيار الجليس الصالح، فعن أَبي موسى الأَشعَرِيِّ رضي الله عنه: أَن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:( إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً)- متفقٌ عَلَيهِ.
فالجليس الصالح إما أن يهديك خيرًا، أو تجد منه رائحة طيبة، بينما الجليس السوء يحرق ثيابك أو تجد منه رائحة كريهة.
الرحيل … رسالة تكتبها دون حبر
عندما يحين وقت الرحيل سواء كان رحيلك عن مجلس أو عن علاقة أو حتى عن مرحلة من حياتك تأكد أن ما تتركه خلفك سيظل في قلوب الناس فاختر أن يكون رحيلك رسالة حب وخير لا تُنسى الرحيل الجميل هو أن تترك خلفك ذكرى حسنة وكلمة طيبة وموقفًا عظيمًا يتذكرك به الناس بالدعاء والامتنان.
إن الناس قد ينسون تفاصيل ما قلت لهم ولكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلتهم يشعرون فما بين الجلوس والرحيل تصنع تاريخك مع الآخرين إما قلوب ترتوي من فيض أفعالك وإما قلوب تكتوي من نار أقوالك.
فالكلمة التي تخرج من فمك قد تكون أحيانًا أخف من الريح لكنها قد تترك أثرًا أعمق من السيوف بكلمة قد تزرع السعادة في قلب حزين وبأخرى قد تهدم نفسًا هشة، لذلك تأمل قبل أن تتكلم اجعل كلماتك سُلمًا يصعد عليه الآخرون نحو النور، لا سهامًا تصيب أرواحهم بجراح لا تُشفى، كن ممن يبعثر بذور الخير ويزرع الحب والرحمة أينما حل وارتحل.
اجعل مجلسك عامرًا بالخير والمحبة والذكرى الطيبة الجميلة لتكون خير جليس، وهناك بعض الصفات البسيطة التي تصنع الفرق على سبيل المثال لا الحصر فالصفات الجميلة التي تسمو بالنفس لا يمكنني سردها في مقال ولا قصيدة بل هي معاملة منها، فاستمع أكثر مما تتكلم فالناس بحاجة لمن يسمعهم بقلبه لا فقط بأذنه، وابتسم دائمًا فالابتسامة تفتح القلوب المغلقة، وتحدث بالكلمات الطيبة امدح بلطف وادعُ للخير وتجنب الغيبة والنميمة.
ساعد بدون مقابل كن سندًا للضعفاء ويدًا ممدودة لكل محتاج، واغفر الزلات فلا تحمل في قلبك ضغائن ولا تفكر بالانتقام لمن أساء لك، بل كن نقي السريرة، فالحياة قصيرة وأثرنا فيها هو ما سيبقى بعدنا.
فاختر أن تكون جليسًا خيرًا يجلب السعادة، وإذا رحلت، اترك خلفك ذكريات تبتسم لها القلوب كلما ذُكرت، تذكر دائمًا اجعل حضورك فرحًا، وغيابك دعاء.



