حين فهمت معنى التطوع حقًا ..

عذاري بنت صالح الحتروشية
لم أبدأ رحلتي في عالم التطوع من البحر الذي أعرفه؛ بل من قطرة دم.
في عام 2015، كنت طالبة في كلية كاليدونيان الهندسية. وقتها، سمعت لأول مرة عن كلمة “تطوع” من خلال حملة للتبرع بالدم. لم أفهم كل أبعادها، لكني شعرت أن بداخلي نية صادقة بأن أقدم شيئًا دون مقابل. كانت تلك أول مرة أتبرع فيها، وكان قلبي ينبض بإحساس مختلف. لم أكن أعلم حينها أن تلك القطرة الصغيرة ستكون بداية طريق طويل من العطاء.
مرت السنين، وشاركت في فعاليات ومبادرات كثيرة، بعضها لم أكن أعلم أنها تصنف كـ “تطوع”. ساعدت في “تارتل كوماندوز” لحماية محميات السلاحف، وكنت جزءًا من مهرجان العلوم ومهرجان الابتكار. نظّمت مباريات رياضية مع فريق “عون”، وشاركت في أنشطة عديدة، كل واحدة منها كانت تصقل شيئًا في داخلي. بدأت ألاحظ أنني أصبحت أكثر جرأة، أكثر تنظيمًا، وأكثر قدرة على القيادة.
لكن التجربة التي حفرت أثرًا خاصًا في قلبي كانت في عام 2023، في مهرجان ذوي الإعاقة – في نسخته الرابعة.
كان المهرجان يستهدف فئات متعددة من ذوي الإعاقة: السمعية، البصرية، الحركية، وحتى الذهنية. هناك، شعرت بلذة مختلفة للتطوع. لم أكن فقط أقدّم مساعدة؛ بل كنت أتعلم كيف أرى العالم من منظورهم، كيف أتعامل بلغة الإشارة، كيف أكون صديقة للهدوء والاحترام والرحمة. كنت أساعد فتاة كفيفة، وأرشد شابًا لا يسمع، وألعب مع أطفال لا يستطيعون التعبير بالكلمات… لكنهم كانوا يعبرون بقلوبهم.
في تلك اللحظات، أدركت أن التطوع ليس مجرد مشاركة وقت أو مجهود؛ بل هو مشاركة إنسانية حقيقية. عرفت أنني تغيرت. أصبحت أقدّر الحياة أكثر، وأفهم أن العطاء لا يُقاس بالحجم، بل بالتأثير.
واليوم، بعد مرور سنوات على أول تبرع، أستطيع أن أقول إنني عذاري التي كوّنها العمل التطوعي. فتاة عرفت معنى القيادة، وتعلمت كيف تتحدى الصعاب، وشكّلت مع الزمن قلبًا لا يعرف إلا العطاء



