الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

وَفي أَنفُسكُم أَفَلا تُبصِرونْ ..

 أيهم بن مصطفى الخياري

كم هو مؤسف اليوم أن تجد من يحيد عن دين الله، يرتكب المعاصي، ولا يخشى الله ولا يطيعه، ولا يلتزم بأوامره ولا يجتنب نواهيه، وهو راضٍ تمام الرضا عن ما يفعل، ويستمر في ذلك من دون أي مبالاة. تلك الأفعال تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وتوحي بشر أفعاله ونواياه، وتدل عن بعده عن ربه جلّ وعلا؛ فيا حسرةً على العباد، الذين لم تأبى نفوسهم ولم تدرك أفئدتهم مدى نعم الله سبحانه وتعالى وآلائه عليهم!

في الخفايا والخبايا:

يفيق ابن آدم من نومه بصحّةٍ وعافيةٍ يوماً بعد يوم، وهو لا يدرك تماماً أن الله سبحانه وتعالى قد أمدّه عمراً مزيداً، فوهبه يوماً جديداً وصفحةً بيضاء في حياته؛ لتكون فرصةً أخرى له كي يصحّح ما مضى، ويصلح ما قضى، ويُحسِن العمل في ما تبقى من عمره الثمين.

ولو أن الإنسان تمعّن النظر في نعم الله عليه لمجرّد صحوِهِ من غفوة سليماً سالماً وآمناً مترفاً، لما تجرّأ أن يعصي ربّه في مراقبته وعلى أرضه وتحت سمائه جلّ وعلا، ولما باشر في اقتراف السيئات وإهمال الحسنات بين أحضان تلك النعم الجليلة التي لا تعد ولا تحصى في حقّ الله. فكم من حالٍ كان بالإمكان أن يحول به إلى حتفهِ، وكم من شيء كانَ ممكناً أن يرديه ميتاً أو يجعله سقيماً في فراشه خلال نومه، وهو غير واعٍ تماماً بما يحدث من فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله ليس خلال نومه أو غفلته فقط، بل حتى في وعيه وانتباهه الشديد. هنا تتجلّى رحمة الخالق الكريم بهذا المخلوق الضعيف الفقير في هذه الدنيا، فالله غني، لا تغنيه حسنة الإنسان من سيئته، ونحن البشر فقراء إلى تلك الحسنات منه جلّ جلاله.

نَسيمُ اللطفِ:

يكاد الإنسان أن يكون صماً أكمهَ في هذه الدنيا بطبيعة حاله؛ إذا لم يكن يمتلك من الإيمان ما يُبصرُه بلطف خالقه وفضله العظيم عليه، وما لم يكن لديه من اليقين ما يهمس إليه بكلمات من الرّأفة الربّانيّة، قد أتمّها عليه بجليلِ المنّ والعطاء، والجودِ والسّخاء.

إذا أراد اللطيف أن يحميك جعل ما تخافه وترهبه سبباً عظيماً لنجاتك، وإذا أراد اللطيف أن يكرمك جعل ما لا تنظر فيه خيراً مصدراً لأعظم العطايا التي تنالك، وإذا أراد اللطيف أن يصرف عنك السوء جعلك لا تراه، أو جعله لا يجد لك طريقاً، أو جعلكما تلتقيان ثم تنصرفان عن بعضكما بدون أن يمسسك منه ضرٌّ أو شرٌّ مثلما كان ليفعل!

 إلاّ أن الله تعالى عليمٌ بصيرٌ بما يحدث في أقطار السماء والأرض، ومن حولِك وعلى جُنُبِك وعن يمينك وعن شمالك، فيجعل الخطير منه سبباً لسلامتك، ويجعلُ من السيء حُسناً قد لا تدركه حواسّك، ولا يعيه فؤادُك ولا حتى تستشعره عواطفك!

فكيف يعجز عن ذلك من أخرج يوسف عليه السلام من السجن برؤيا في المنام كانت سبباً خفياً لنزع أصفاده؟ وكيف يفشل من ذلك من جعل فم موسى عليه السلام لا يستسيغ حليب المرضعات مبرّراً كافياً لإفلاته من أعدائه؟ وكيف يصعب ذلك على من نصبَ شبكة العنكبوت في غار سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- ليجعل منها سبباً لتجاهله من قبل أضداده؟ إنه لحقٌّ مبينٌ من ربٍّ عظيم.

إنّما يخشى اللّهَ من عبادِه العلماءُ:

إن من أجمل ما نستقيه من كلام الله تعالى في القرآن الكريم في هذا السياق، قوله سبحانه في سورة فاطر: ((إنِّما يَخشَى اللّهَ من عبادِهِ العُلماءُ)) وهو إكرامٌ عظيم من الله جلّ وعلا لهؤلاء الناس، وتشريف كبير للذين توّجوا أنفسهم بتاج العلم، وجعلوه نبراساً مستنيراً في حياتهم، يرتقون به على سُلّم الأمجاد والرّتب ليكونوا كالنجم البرّاق في أعين كل من كان يريد أن يقتدي، وليكونوا حصناً منيعاً لحبل الله من أسيف التّضليلِ والضّلال، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

ولكن، ما علاقة العلم والعلماء بخشية الله تعالى وقوله ((وَفي أنفُسِكُم أفَلا تُبصِرونْ))؟ إنّها مثل العلاقة بين اليقين والإخلاص، ذلك لأن العلماء يدركون أنّ كل ما ذكره القرآن الكريم في سراج الحقائق العلمية في جسم الإنسان منذ مئات السنين أثبته العلم التجريبي الحديث مؤخّراً وأكّد صحّته، فكيف يعقل ذلك في زمن لا تتوفّر فيه الإمكانات البشرية إذا لم يكن هنالك خالقٌ مصوّرٌ عليمٌ بكل ما في هذا الكون من عدد حبات الرمل إلى عدد النجوم والأجرام؟ فاللّه سبحانه وتعالى جعل في القرآن الكريم وفي العلم ما يزيد قوة الإيمان ويبعث في النفس اليقين التام بأنه سبحانه وحده المستحق بالتوحيد و العبادة، وأنه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 كما أن العلماء أكثر تأثرا بكلام الله سبحانه وتعالى، وأسرع استجابة له، وأعظم خشوعا وإخباتاً لعظمته وجلاله، وأعظم إدراكاً لكلماته ومعانيه؛ مما يجعلهم أكثر تسليما وإخلاصاً لما يتضمنه من عقائد وأحكام. قال تعالى: ((قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا)).

وإنّ من أكثر الحقائق العلمية القرآنية عجباً، هي الحقائق المرتبطة بخلق الإنسان وجسمه وعقله ونفسه وصفاته وحياته كلاً على حد سواء، والتي تطرّق لها كلام الله الإعجازي…

الحقائق تحكي عن ربٍّ كريم:

إذا كان للحروف والكلمات صوت، فإن للأرقام والحقائق أصوات تنادي بها لتخبر عن رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان وكرمه العظيم عليه في نفسه. ففي في نفس الإنسان، وجسده، وعقله، وروحه من الحكم والعبر ما يدل على أن الله تعالى وحده الفرد الصمد، وأنه لم يخلقنا سدىً. ففي خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلِه نطفةً فعلقةً فمضغةً ثم خَلقاً آخر، ثم في رعايته في بطنِ أُمهِ، ثم في تدرجه من عمرٍ إلى عمرٍ وحالٍ إلى حالٍ، واختلاف ألسنة البشر وألوانهم والتركيب الدقيق جداً لأجسادهم وعظامهم إلى أنسجتهم وخلاياهم وحتى تنوعِ تفكيرهم واتجاهاتهم، لَآياتٌ وعِبرُ لكلّ مؤمنٍ أبصَر بما في نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

((وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونْ)): ألا تتفكّرون في خلق أنفسكم؟ كيف أنشأكُم من طينٍ فصوّركم أحسنَ تصوير وأعطاكم من الصفات البدنية والذهنية ما يفرّقُ به بينكم وبين الملئِ من جنسكم؟

((وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونْ)): أفلا تنظرون كيف علّمكم اللّه في مراحل متتابعةٍ من حياتكم وكيف أنطَقَ ألسنتكُم وكيف خلقَ حواسّكم وحرّك الدّم في شرايينكم وأوردتكم وكيف سوّى مفاصلكم بين عظامكم وأعصابكم ومن أسفَلِ عضلاتكم؟

((وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونْ)): أو لم تروا كيف نفخ فيكم الرّوح فبثّ فيها الحياةَ فجعلها من نفسٍ واحدة؟ وكيف جعلكم شعوباً وقبائلَ كُثُراً لتتعارفوا وتتعايشوا وليكون بعضكم لبعض خليلاً؟ ألم تتدبّروا كيف جعل اختلافكم وتنوعكم سبباً لاستمرار حياتكم قبل مماتكم؟

((وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونْ)): ألم تروا كيف أن اللّه خلَقكم ثم يتوفاكم، فمنكم من يردّ إلى أرذل العمر ومنكم من يتوفى في باكِرِهِ، وإذا أراد أن يميتكم أستوقف قلبكم، وجعل عضلاتكم ترتخي، ثم جعلها تتيبّس؟ ألم تروا كيف أن الله يحييكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون؟

حتّى يُغَيّروا ما بِأَنفُسهِم:

 لا يغيّر اللهُ من حال القوم حتى يغيروا من حالتهم، ولا يغيّر الله حال الإنسان حتى يغيّر ما بنفسه .. حكمةٌ ارتضاها الله لنا كبشرٍ حتّى نروّض جوادَ نفوسنا، ونشقّ طرق الدنيا بعزّة النفس ورصانتها، ونرتقي سبل المعالي بكرمها وأصالتها، فكيف يمكن للمرء – مهما كان – أن يبدّل من حاله البائسة إذا لم ينوي تبديل ما توطّن في نفسه من تصرّفاتٍ سيئةٍ، كانت أقوالاً أو أفعالاً؟

إن القرآن الكريم كُلّه حِكم وعِبر قيّمة لمن أراد أن يعتبر، ترتبط كلٌّ منها ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً كما لو أن إحداها يشير إلى ما تشير إليه غيرها من تعاليم دينية ودنيوية ثمينة، و إن من أجملِ ما يمكن تزكيته من هذه الحكم ما تحمله هاتين الآيتين الكريمتين من معانٍ نفيسة: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) و ((وَفي أَنفُسِكُم أَفَلا تُبصِرونْ))، واللتان يلاحظ فيهما الإرتباط الشديد في حقيقة النفس الإنسانية، وما تحرّكه من أفكار وسلوك وأخلاق وتوجهات في طبيعة كل إنسان خيراً كانت أم شراًّ.

وفي هذا السياق تحملنا بلاغة القرآن الكريم ودقّته إلى ثلاثة من أنواع النفس التي ميّز الله تعالى بها بيننا تمييزاً ًدقيقاً، وهي:

-النفس الأمّارة بالسوء: وهي أسوأ ما اتصف بها ابن آدم، وهي النفس التي تحرص على جرِّ صاحبها في طريق الهلاك الوعِرة، ةتدفعه إلى ارتكاب الشهوات والمعاصي بدون مبالاة والعياذ باللّه.

-النفس اللوّامة: وهي كالسفينة التي تصارع أمواج البحر الهائجة، تترنح يمنةً ويسرةً بين الغرق والنجاة، فالنفس هنا بين الطاعة والمعصية، فتارةً ما يحيد صاحبها عن طريق الطاعة، وتارةً ما يترسّخ على طاعة الله عز وجلّ.

-النفس المطمئنة: وهي التي تحرّكت بها جوارحُ صاحبها واستُنطِقَت بها لسانُه فيما يرضي الله تعالى، فرضيت بالله رباًّ، وبلإسلام ديناً، وبمحمّد – صلّى الله عليه وسلّم – نبياً ورسولاً. فنعم العبد الذي ارتقى على مدارج هذه النفوس، ليبلغ من العبادة والإخلاص ما يطمئنه بكلام اللّه، ويكفيه ما عنده دون سواه.

قال سبحانه: ((يا أيّتُها النّفسُ المُطمَئِنّة – ارجِعي إِلى رَبِّكِ راضِيةً مَرضِيّة – فادخُلي في عِبادي وادخُلي جَنّتي)) فيما قلّ من ذلك ودلّ.

ولذلك فليكُن مِنّا أقوامٌ لم يرضوا بأن تتسخ نفوسهم بهمزاتِ الشيطان، وسوءِ الصحاب، وخبيثِ النفس، فلا يستحلّون المحرّم، ولا يحرّمون المَُحلّل، ولا يرضون بما لم يرتضه لهم اللّهُ ربُّهم ورسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.

لِيَزدادوا إيماناً:

ما يريد الله بكلّ ما ذكرته لك من نعم – ولم أذكر منها سوى ما لا يبلغ قطرة من بحر من نعم الله – في نفسك وجسدك وفي غير ذلك، سوى أن يفيض قلبك من نفحات الإيمان، وينبض خوفاً ورجاءً من ربّ العزّة، ويستشعر قربه الشديد من بعده، فكيف لا يكون ذلك صحيحاً إن كان أقرب إليك من حبل الوريد؟

خلق لك يدين، ولم يشأ لك أن تستخدمهما في معصيته، فنهاك عن السرقة، وأمر بقطع يد السارق.

خلق لك عينين، ولم يشأ لك أن تشغلهما في معصيته، فأمرك بغض البصر، ونهى عن النظر إلىالمحرّم.

خلق لك أذنين، ولم يشأ لك أن توظّفهما في معصيته، فحرّم سماع المعازف، وأثابك على سماع القرآن.

خلق لك لساناً وشفتين، ولم يشأ لك أن تتستعملها في معصيته، فنهاك عن التنابز بالألقاب، وجعل في ذلك إثماً.

لم يكتفِ خالقنا القدير بإعطائك كل تلك النعم من الأعضاء الجسدية وحسب، بل أراد لك أن تنتفع بها في دنياك وفي حياتك، وفي آخرتك بعد مماتك، ولم يرد لك السوء والفحشاء، وما يصاحبهما من مضرّةٍ وبلاء، حقاً إنه خالِقٌ كاملٌ من قال في محكم كتابه: ((وفي أَنفُسِكُمْ أفَلا تُبصِرونْ)) ، فله الملك وله الحمد، وهو على كل شيٍ قدير.

الخاتِمة

ليس هناك أجمل من ما تحمله العبر والخواتيم من معانٍ عميقة، يغرق في بحرها فكر الإنسان فيما قدّم لحياته، وما أخّر لمماته، ويتسع فيها نظره، فيرى النور في استباق الخيرات، ويرى الظلام في ارتكاب المنكرات، فيسعى إلى أن يترفع عن تلك المعاصي ليبلغ ذلك الضوء الذي لطالما ترقّب له في الأعلى، ويبتعد شيئا فشيئاً عن الظلمات التي تجرّه من ساقيه لتسقطه في ذلك القاع المظلم الفاحش، حيث يغيض الضوء شيئاً فشيئاً، ويتلاشى أمل النجاة قليلاً قليلاً…

وإن القرآن كلّه عبرٌ قيّمة لمن أراد أن يعتبر، وحِكمٌ ثمينة لمن أراد أن يستدبر، فيه بيان للناس وشفاء، وهدى ورحمة وموعظة للمتقين، وإن من هذه الحكم والعبر والنصائح القرآنية التي تحمل الكثير خلفها، ما تم ذكره في هذا المقال بعنوان “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” من قول الله سبحانه وتعالى.

فيا حبّذا قلبٌ نقيٌ طاهرٌ، يخشى الله، ويخافه في سرّه بما لا يهون عن خوفه له في علنه، ولا يجد في ذاته حاجة مما أوتي أكثر من حاجته إلى ربّه جلّ وعلا.

اللهم نقّنا من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس، وارزقنا البصيرة المنيرة في أنفسنا وحوائجنا، ولا تغشِ قلوبنا عن ذكرك وطاعتك، وشكرك وحسن عبادتك، وأرنا فضلك ونعمك علينا في أنفسنا ووجداننا، يا من أوجدتنا في هذا الوجود وقد لم نك شيئاً.

بيدٍ مُحِبّةٍ في الله…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights