العِيدُ الأَضْحَى .. مَدْرَسَةٌ تَطْبيقيّة للهُوية وَالقِيَمِ العُمانية

د. مُحَمَّد خَلْفَان الزُّفَيْتِي
يَأْتِي العِيدُ الأَضْحَى كُلَّ عَامٍ حَامِلًا مَعَهُ مَعَانِي الفَرَحِ وَالتَّرَابُطِ وَالتَّكَافُلِ، وَفِي ظِلِّهِ تَنْتَقِلُ العَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ وَالقِيَمُ مِنَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، أَبًا عَنْ جَدٍّ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لَا عَلَى سَبِيلِ الحِكَايَةِ وَالتَّلْقِينِ، بَلْ مِنْ خِلَالِ المُعَايَشَةِ وَالمُشَارَكَةِ وَالتَّجْرِبَةِ الحَيَّةِ، فَيَتَعَلَّمُ الصِّغَارُ مَعَانِي العَطَاءِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَاحْتِرَامِ الكَبِيرِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَالانْتِمَاءِ لِلمُجْتَمَعِ وَالوَطَنِ، لِيُصْبِحَ العِيدُ أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، بَلْ خِبْرَةً تَرْبَوِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً غَنِيَّةً تَتَجَلَّى فِيهَا الهُوِيَّةُ فِي السُّلُوكِ وَالمُمَارَسَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَتَجَلَّى مَعَانِي الفَرَحِ وَالشُّكْرِ وَاسْتِشْعَارِ النِّعْمَةِ، وَقَدْ تَتَجَلَّى هَذِهِ المَعَانِي فِي مَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ العِيدِ، حِينَ وَقَفَ يُتِيحُ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُشَاهَدَةَ لَعِبِ الحَبَشَةِ بِالحِرَابِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ العِيدَ لَيْسَ فَقَطْ أَدَاءً لِلشَّعَائِرِ وَمَظَاهِرَ لِلفَرَحِ، بَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كَوْنِهِ مَجَالًا تَرْبَوِيًّا حَيًّا تُرَاعَى فِيهِ المَشَاعِرُ، وَتُغْرَسُ فِيهِ القِيَمُ بِاللُّطْفِ وَالمُعَايَشَةِ وَالمُمَارَسَةِ، وَهِيَ مَعَانٍ يَعْرِفُهَا المُجْتَمَعُ العُمانِيُّ بِفِطْرَتِهِ وَتَجَارِبِهِ المُتَوَارَثَةِ، فَكَثِيرٌ مِنْ دُرُوسِ الحَيَاةِ الَّتِي يَتَعَلَّمُهَا الطِّفْلُ فِي العِيدِ لَا تُدْرِكُ دِقَّةَ تَفَاصِيلِهَا كُتُبُ التَّنْظِيرِ، وَلَا يَسْتَشْعِرُ عُمْقَهَا مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ خَارِجِ سِيَاقِهَا الثَّقَافِيِّ، فَهِيَ تَرْبِيَةٌ تَنْشَأُ فِي المَجْلِسِ، وَتَكْبُرُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ، وَتُمارَسُ مَعَ التَّنُّورِ، وَتُغْرَسُ فِي الشِّوَاءِ، وَتَتَعَلَّمُ مَعَ الرَّزْحَةِ، وَتَنْضُجُ فِي مَوَاقِفِ العَطَاءِ وَالمُشَارَكَةِ.
تَتَشَكَّلُ لَدَى الطِّفْلِ صُورَةٌ وَاعِيَةٌ لِمَعْنَى العَطَاءِ وَالمُشَارَكَةِ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَرْتَدِي لِبَاسَهُ العُمانِيَّ، وَيُشَارِكُ أُسْرَتَهُ الاسْتِعْدَادَ لِصَلَاةِ العِيدِ، وَيُرَافِقُ الكِبَارَ فِي الزِّيَارَاتِ، وَيُسْاهِمُ فِي اسْتِقْبَالِ الضُّيُوفِ، وَيُشَارِكُ فِي تَقْدِيمِ القَهْوَةِ العُمانِيَّةِ وَالتَّمْرِ، وَيُعَايِشُ مَشَاهِدَ الكَرَمِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَيَتَعَلَّمُ بِصُورَةٍ طَبِيعِيَّةٍ كَيْفَ يُفَكِّرُ فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ، وَيُبَادِرُ، وَيُدْرِكُ أَنَّ الفَرَحَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي الأَخْذِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الغَيْرِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ بِصُورَةٍ أَوْضَحَ عِنْدَمَا يُشَارِكُ الطِّفْلُ أُسْرَتَهُ فِي تَوْزِيعِ جُزْءٍ مِنَ الأُضْحِيَّةِ عَلَى الجِيرَانِ وَالمُحْتَاجِينَ، أَوْ يُسَاعِدُ فِي تَرْتِيبِ المَجْلِسِ وَاسْتِقْبَالِ الزُّوَّارِ، فَهُنَا لَا تُقَدَّمُ القِيَمُ كَمَعْلُومَاتٍ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى خِبْرَاتٍ مَعِيشَةٍ تُنَمِّي المَسْؤُولِيَّةَ، وَتُعَزِّزُ المُبَادَرَةَ، وَتُهَذِّبُ التَّفْكِيرَ، وَتُرَسِّخُ المُشَارَكَةَ الإِيجَابِيَّةَ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ أَيَّامَ العِيدِ فِي دُوَلِ الخَلِيجِ تَتَشَابَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَعَانِي وَالمُمارَسَاتِ، كَالتَّرَاحُمِ وَتَبَادُلِ الزِّيَارَاتِ وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، إِلَّا أَنَّ لِسُلْطَنَةِ عُمانَ طَابِعَهَا الَّذِي يُضْفِي عَلَى العِيدِ خُصُوصِيَّةً جَمِيلَةً، تَتَجَلَّى فِي اللِّبَاسِ العُمانِيِّ، وَالمَجَالِسِ، وَالقَهْوَةِ العُمانِيَّةِ، وَالشِّوَاءِ، وَأُسْلُوبِ العِيَادَةِ وَالضِّيَافَةِ، كَمَا يَتَجَلَّى جَمَالُ الهُوِيَّةِ العُمانِيَّةِ فِي تَنَوُّعِ تَفَاصِيلِهَا بَيْنَ مُحَافَظَاتِ السُّلْطَنَةِ وَوِلَايَاتِهَا، فَلِكُلِّ مِنْطَقَةٍ مَلَامِحُهَا وَعَادَاتُهَا فِي الاِحْتِفَاءِ وَالضِّيَافَةِ، وَهُوَ تَنَوُّعٌ يُثْرِي المَشْهَدَ العُمانِيَّ وَيُضْفِي عَلَيْهِ جَمَالًا وَانْسِجَامًا، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى مُنْتَظِمًا فِي إِطَارِ هُوِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ تُوَحِّدُ الجَمِيعَ عَلَى مَعَانِي المَحَبَّةِ وَالتَّكَافُلِ وَالانْتِمَاءِ.
وَفِي ظِلِّ القِيَادَةِ … تَتَجَلَّى الهُوِيَّةُ
وَلَعَلَّ مَا تَشْهَدُهُ هَذِهِ الأَيَّامُ مِنْ تَشَرُّفِ وِلَايَةِ صُحَارَ بِزِيَارَةِ حَضْرَةِ صَاحِبِ الجَلَالَةِ السُّلطَان هَيْثَمِ بْنِ طَارِقٍ المُعَظَّم – حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ – وَأَدَائِهِ صَلَاةَ عِيدِ الأَضْحَى المُبَارَكِ فِي الوِلَايَةِ، يُجَسِّدُ مَعْنًى وَطَنِيًّا عَمِيقًا يَتَّسِقُ مَعَ رُوحِ العِيدِ وَمَعَانِي الهُوِيَّةِ العُمانِيَّةِ، فَمِثْلُ هَذِهِ المَشَاهِدِ تُعَمِّقُ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ قِيَمَ الاِنْتِمَاءِ وَالتَّلَاحُمِ، وَتُرَسِّخُ صُورَةَ الوَطَنِ القَائِمِ عَلَى القُرْبِ وَوِحْدَةِ المَشَاعِرِ، فَيَتَعَلَّمُ الطِّفْلُ أَنَّ الهُوِيَّةَ لَا تَتَجَلَّى فِي العَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ فَقَطْ، بَلْ فِي صُوَرِ التَّآلُفِ وَالمَحَبَّةِ وَالالْتِفَافِ حَوْلَ الوَطَنِ وَقِيَادَتِهِ الرشيده.


