رواية قصيرة حين يصمتُ الجوار… يتحدث يمنُ الأنصار- الجزء الثاني
إبراهيم مجاهد صلاح
أطفال تحت الأنقاض … رسائل لم تُقرأ
الفصل الثالث
حنان (19 عامًا) بين دفء القبو وصهيل القصف
تتمسّك بحبل مزّق السقف
صرخات تطغى فوق دمدمة القذائف
أم يوسف (60 عامًا) تضع الطفلة الزيتيّة بين يديها
ولدت بلا بصمة بكاء
الضحكة مسروقة
“سأسميك صمت… لأنك الوحيدة التي لم تسرقها الحرب.”
حولها جثث خمس نساء لم تتحمَّل المخاض
إحداهن تحمل وليدها الميت بذراع متصلبة
رقصة الموت بلا موسيقى.
قاعة مستودع تحوّلت إلى فصل دراسي
المعلم خالد (25 عامًا) المقطوعة ساقاه
يطّلع على 20 طفلاً بعين مكلومة، ويعلمهم كيف يموتون بكرامة:
. إن أصابك شظية، اضغط على الجرح واغنِ “أمي” ثلاث مرات.
. إن حُصرت تحت الركام، كرر اسمك كي يعرفونك بعد الموت.
إن أمسكك الجنود، ابتسم، فالصور ستخلّدك.
على الجدار رسومات لطائرات مسيّرة تبتسم قنابلها
بيوت ملونة، أطفال يرسلونها بمحبة قاتلة.
في زقاق شارع عمر المختار، أب
سراج (50 عامًا)
يرتب بضاعته: علب طعام الكلاب الأغلى، ماء ملوث، أحذية مستخرجة من الجثث
تاجر يسأل عن السلسلة الذهبية ويساوم بدل رغيف.
طفلان يلعبان لعبة الحرب بحبات أرز:
أنا… وطائرتي المسيرة… أقتل نفسي قبلأن تصل إليَّ.
نوعام (23 عامًا) يعرض لعبة جديدة:
“اصطياد بالطعم”،
يضع كيس طعام أمام جائعين، ينفجر بهم
رفيق يصيح: “7 نقاط بضربة واحدة!”
طفل يزحف بلا ساق، نحو “الطُعم الثاني”
نوعام تضحك:
“انظروا… يعرف الدرس.”
آدم (10 سنوات) يختبئ في أنبوب صرف صحي
يكتب رسالة:
أيها العالم…
عمري 10 سنوات لكني شعرت بعجوزٍ طائعة
أخي مات جوعًا، أمي ماتت تبحث عن دواء
أبي مات يحملني هاربًا من الموت.
أعيش الآن مع كلبي لولو
نأكل من سلة مهملات المستوطنين
إن وجدت هذه الرسالة، خذ لولو… هو آخر من يعرف اسمي.
الزجاجة تتدحرج في مياه الصرف نحو البحر
سمكة تبتلعها قبل أن تصل إلى الشاطئ
والرسالة تظل في رحلة العدم.
*الفصل الرابع*
تحت شجرة زيتون مشوّهة
ياسين (9 سنوات) يحفر حفرة صغيرة بعلبة دمية
ميشو وحدها تبقى من عروسته
“لا تخف يا ميشو… سأزورك كل يوم.”
قُبور صغيرة مليئة بأحلام أطفال،
كل لوحة كرتون:
“هنا يرقد شمس… قتلتها القذيفة وهي تحتضن صديقتها.”
“هنا ينام أبو سيف… حاول إنقاذ طفلين فانكسر.”
انفجار قريب…
ياسين يرمي نفسه فوق القبور،
يحمي ذاكرة من الموت بجسده الصغير.
مريم (22 عامًا) ترتدي فستان زفاف والدتها،
المرآة الوحيدة تعكس وجهها الشاحب تحت طبقة غبار،
تقبل صورة خطيبها المعلّقة بين الأنقاض،
“قبلتك يا محمود… بحضور الله وشهيدينا.”
نساء يدّفن أرز الاحتفال بيديهن،
مخلّدات للأمل الفاسد،
صفارة إنذار تعصف:
سقف المنزل ينهار، يصبح الأبيض أحمر قاني في ثوانٍ.
الحاج أبو وائل (٩٠ عامًا) يجلس أمام علبة مكتوب عليها “إيداعات”،
عينيه لا ترى، يده ترتجف،
“أريد رائحة البرتقال في يافا…”
الموظف يعدّ ثلاث ذكريات متاحة بالإيداع:
أذان حسن بك، فول الخليل، لون البحر عند الغروب.
الحاج يختار البحر:
“أعطني الأزرق… لقد نسيت كيف يبدو.”
وبجانب كرسيه، طفل يتسول ذاكرة عن أب لم يره قط.
بين أنقاض مبنى البلدية، حبال مشنقة على أعمدة الكهرباء،
طاولة والمقهى الوحيد:
قائمة مشروبات:
شاي انتحار (سم مجاني)
قهوة رصاصة (تقدم مع مسدس)
نعناع مشنقة (مع حبل)
الزبون رقم 114، رجل بوجه مشوّه،
يشرب السم ببطء، همس:
“ليس شهيداً…
بل من أنهى العرض قبل النهاية.”
في قبو سري بالمستشفى،
سلمى (35 عامًا) تحفظ زجاجات دموع مسيل الدموع،
كل زجاجة ضوءٌ محمول من أرض الألم:
دمع أم، عرق طفل، دم من عين طبيب.
عندما يدخل الضوء من ثقب القذيفة،
تصبح الزجاجات أنهاراً من الألم،
تضع يدها على زجاجة مكتوب عليها: “آخر دمعة لجدتي.”
مازن (12 عامًا) يشعل شمعة من شحم ميتات،
يُلقي ظلال أطفال على جدران مشقوقة،
يصنع عرضًا بعنوان “الأيام الأخيرة للبشرية”:
ظل طائرة تتحوّل إلى مسيّرة
ظل أم تحاول إرضاع طفل، يتحول إلى هيكل عظمي
ظل رجل يبيع عينيه مقابل رغيف خبز
الجمهور الوحيد: جثة عجوز، ثلاثة أطفال يجلسون عليها،
عندما تنتهي المسرحية، يَرَكْضون تقديراً… بأيديهم المبتورة.
الدكتورة نسرين (40 عامًا) تتمشى في ردهات الموتى،
تفحص مرضى وهميين، تُعانق الهواء بالأمل،
“انهض يا حج عمر… قلبك لم يتوقف بعد!”
في الصيدلية، زجاجات الأدوية فارغة،
وعليها قصاصات ورق تقول:
“باراسيتامول – يخفف ألم فقدان الأحبة.”
“مورفين – يمحو ذكريات الأحياء.”
يدخل جندي إسرائيلي يبحث عن مقاتلين،
يجد الدكتورة تحتضن وسادة، تُغني لنفسها أغنية نوم.
في سوق تحت الأرض لبيع الأجزاء،
أبو سارة يعرض قلبه في جرة فورمالين:
قلب نقي.. لم يُحب كثيرًا…
لم يُمسك به خائن…
لا يبكي كثيرًا…
السعر: وجبتان ساخنتان.
التاجر يُفحصه بالمصباح:
“فيه بعض الكسور… سأشتريه بعلبة بسكويت.”
وفي الزاوية، طفلة تبيع رسمة قلب وردي:
قلب ينبض مرة في الأسبوع…
السعر: قبلة على الجبين.
أطفالٌ يزرعون دفاترهم في أرض المحلّات،
يزرعون حفرة صغيرة يضعون داخلها:
حبة عدس (أمل بشجرة خبز)، خيط أحمر (حذاء جديد)، صورة البحر (لمن لم يرَ)،
آية (7 سنوات) تسقي أحلامها بقطرات من بولها،
“لا تخافي… عندما تكبرين، سنصبح أحراراً.”



