أيامٌ معدوداتٌ (١)
ثريا بنت علي الربيعية
شهرُ رمضان شهرُ النفحات الإيمانية، اختصَّه اللهُ سبحانه بفضلٍ عظيمٍ على سائر الأزمنة؛ فهو موسمٌ تتضاعف فيه البركات والحسنات، وها هو ذا قد أطلَّ علينا كضيفٍ عزيزٍ تنتظره أرواحُنا بكل شوقٍ، في أيامٍ مباركةٍ ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ كما وصفها القرآن الكريم. لا ريبَ أنَّ في تهجُّد لياليه فُسحةً قيّمةً لتبحث النفوس في زواياها عمّا أثقلها، فتطمئنُّ بدعوةٍ خاشعة، وتعودُ بتوبةٍ صادقة. فضلًا عن أنَّها أيامٌ عظيمةٌ فيها حِكَمٌ وعِظاتٌ ودروسٌ في القيم والأخلاق؛ فهو محطةٌ لترتيب القلوب وتصفيتها من غبار الأيام. شهرٌ فيه ليلةُ القدر المباركة، التي تتضاعف فيها الأعمال والأجور، وتُستجاب فيها الدعوات، وتسمو الروح رجاءَ المغفرة، مطمئنةً بوعد الرحمة، فقد وصفها اللهُ تعالى بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
رمضان زينُ الشهور وخيرُها؛ هو فرصةٌ ثمينة، ليس لتغيير المظاهر فقط، إنما لترتيب الداخل؛ حيث تتزيَّن القلوب مبتهجةً لقدومه. وقبل أن تُضيء المصابيحُ والزينةُ شوارعَنا وجدران بيوتنا، فالأولى أن يُعلِّق المسلمُ فيه الرجاء بقبول عبادته واستجابة الدعوات. فمن المعلوم أنَّ تشريع فريضة الصيام كان لحِكَمٍ وأهدافٍ ساميةٍ كغيره من العبادات التي شرعها الإسلام؛ فلم يكن مجرَّد الامتناع عمّا لذَّ من الطعام والشراب وسائر المفطرات، ولم يكن يومًا طقوسًا شكليةً أو عادةً سنوية، إنما كانت الغاية أسمى وأعمق من ذلك، ولعلَّها تتلخَّص في قول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ بمعنى أن نجد ثمرةَ تقوى الله تعالى في كل جوانب الحياة الظاهرة والباطنة، والسعي الجاد لتعويد النفس وتدريبها على القيم الفاضلة، ليس في رمضان فقط، بل بتحرّي كلٍّ منا التزام الطاعات، والمبادرة إلى كل خيرٍ لنفسه ومجتمعه، وأن نجد أثر رمضان مزهرًا في سائر أيامنا. كلُّ هذا مما يعين على تحقيق الغايات والمعاني من تشريع الصيام، وإدراك الأجور والحسنات المضاعفة؛ فمن أدرك هذا الشهر فقد أدرك حظًا عظيمًا، فليشدَّ عزيمته، وليُحسن ضيافته، وليغتنم لحظاته المباركة.
لا شكَّ أنَّ للصيام آثارًا عظيمةً في تهذيب النفس وتعديل السلوكيات، فهو مدرسةٌ روحيةٌ وأخلاقية، إلا أننا قد نواجه صورًا مختلفةً من السلوكيات التي تعكس عدم تحقق الصفاء النفسي عند بعض الصائمين؛ فنرى مظاهر عديدة من العصبية الزائدة والحالة المزاجية التي يُبديها البعض في الشارع أو في العمل أو في الأسواق، وقد تصل به إلى حدِّ الإساءة للآخرين بحجة أنه صائم، فلا يريد أن يسمع أو ينصت لأحد، حتى في بيته وهو يتعامل مع أقرب الناس إليه. بينما كان من الأحرى أن يضبط تصرفاته، ويهذّب لسانه عن السبِّ والشتم، وأن يقدِّم الصبر في مواجهة ما يعتريه من مواقف حياتية، فلا ينهار صبره من أبسط نقاشٍ أو أول صدمة. فلينظر المسلم إلى الصيام على أنه منحةٌ عظيمةٌ يتدرّب فيها على ضبط الجوارح والسمو النفسي، وهو في الحقيقة تجربةٌ عمليةٌ صادقة تُربّي فينا الشعور بالآخرين والإحساس بهم؛ فيه تتهذّب الكلمة، وتلين القلوب بعد قسوتها.
وأخيرًا، فليكن صيامُنا مدرسةً لضبط القول والفعل، نرتقي بها حتى تعود ذواتُنا إلى النسخة الأرقى والأقوم خُلُقًا.



