مقالات صحفية

مليونير في حضرةِ النبي

إبراهيم بن علي الشيزاوي

لا زالت الصورة النمطية لدى كثير من الناس أن حياةَ الصحابةِ – رضوان الله عليهم – كانت حياةً بائسة ومتقشفة، تعاني من مرارةِ الفقرِ وقلة ما في اليد، ولا أدري ما الذي جعلَ هذا التصورِ المرير يلتصقُ بخير القرون، لربما أنَّ أخبار زهدهم – رضي الله عنهم – ساهمَ في تعزيزِ هذهِ الفكرةِ الخاطئة، مع أنه لا توجد أيُّ علاقة بين الزهد والفقر؛ بل أن السعي الحلال للحصول على المال لا يتنافى عن كون طالبهِ تقيٌ عابد.

حديثنا اليوم عن رجلٍ ارتبط إسمهُ بالعبادة والزهد، والبذل والعطاء في سبيل الدعوة إلى الإسلام، وإعلاء كلمة الحق والتوحيد، إنه عبد الله بن عثمان بن عمرو التيمي القرشي، ربما يكون الاسمُ مألوف ولكنهُ غير معروف لأنه – رضي الله عنه – لم يشتهر بالإسم؛ بل باللقب الذي شرّفهُ به رسول الله ﷺ ، إنه( أبو بكرٍ الصديق).

وُلِدَ أبو بكر الصديق بعد عام الفيل بسنتين، ونشأ وترعرع بين جبال مكة، ولمّا كَبُرَ وتجاوز الصِّبا إلى الشباب عَمِل في التجارة، وكان مجتهداً في التجارة، وقد حقق نجاحاً كبيراً تزامن معه زيادة في ثروته، وتخصص رضي الله عنه في تجارة الملابس والأقمشة، وكان يجوب البلدان ويقطع الأمصار من أجل توفير البضاعة، وقد جمع ثروة كبيرة، ولم يقطع عمل التجارة حتى بعد الإسلام.

لم يمنعَ أبا بكرٍ ثراءهُ وتجارتهُ بأن يكونَ أول من يُسْلِمَ من الرجالِ، رغم معرفتهِ بأنه سيلقى أشدّ العداء والمقاطعة والإقصاء من قريش؛ وهذا بلا شك سيؤثر على تجارتهِ ومصدرُ دخلِ أُسرته؛ ولكنه – رضي الله عنه – بادرَ إلى الإسلام وسخّرَ نفسهُ وأهله وماله من أجلِ ذلك، فلم يدَّخر جُهداً عن نصرةِ الحقِّ وأهله، ولم يبخل بدينار ولا درهم في سبيلِ الله.

مواقف أبو بكر الصديق:

– عتق بلال:
ذات يوم خرج هذا التاجر المليونير يجول في مكة، ورأى بلال ابن رباح – وقد أسلم – يُعذب تحت حرارة الشمس الحارقة، وكان يوضع الحجر الكبير الثقيل على صدره من قِبل مجرمي مكة ليرتدَّ عن دينِ الله، وكان بلال رضي الله عنه عبداً – آنذاك – لأمية بن خلف، فعرض أبو بكر على أُمية بأن يشتري بلال منهم؛ فرضي أمية بذلك، بمقابل ثمنٍ باهض في ذلك الوقت، وهو خمسة أواقٍ من الذهب، وقال لهم أبو بكر “لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته”، فاشتراه منهم ثم أعتقه على الفور.
وقد أعتق رضي عنه ستة آخرون ومنهم: عامر بن فهيرة، وأم عُبَيْس، والنهدية وابنتها وغيرهم.

– الهجرة للمدينة:
عندما أُذِنَ للنبي ﷺ بالهجرةِ إلى المدينةِ المُنورة، ذهبَ ﷺ إلى بيتِ أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ليخبرهُ بخبرِ الهجرة، فاشترى أبو بكر راحلتين للسفر، واستأجر دليلاً للطريق، وفي اليوم المقرر للهجرة خرج أبا بكرٍ الصديق إلى رسول الله ﷺ وقد أخذ عندهُ مالاً يُقدّرُ بخمسةِ آلافِ درهم أو يزيد لعينهم على تكاليف الرحلة الطويلة التي استغرقت ٨ أيام.

– جيش العسرة:
هو الجيش الذي خاض غزوة تبوك أو كما سُميت بغزوة العسرة، وهي آخر غزوات النبي ﷺ ، وقد سُمّيت بهذا الاسم بسبب الظروف العسيرة المحيطة بهذه الغزوة من بعد المكان وصعوبة ظرف الزمان وقلّة في المال والعتاد؛ لذلك حثّ النبي ﷺ على البذل والعطاء من أجل تجهيز هذا الجيش الذي كان قوامه ٣٠ ألف مقاتل. تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في الإنفاق، وكان من أبرز المتسابقين للإنفاقِ في سبيل الله هو الصدّيق، التاجر الذي جاء بأربعة آلاف درهم، ولمّا سأله رسول الله ﷺ في الحديث الشهير: “ماذا ابقيت لأهلك يا أبا بكر؟، قال: أبقيتُ لهمُ اللهَ ورسوله”.

إن أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – مثالاً يجب أن يحتذي به الرجلُ المسلم، فقد كان رضيَ اللهُ عنهُ ذكياً في التجارة، حثيثٌ في تحصيلِ الرزق، ينفقُ على أهلهِ من غير أسراف، ويقتصدُ من دون تقتير، يعطي المالَ حقَّهُ فيؤدي زكاته، وينفق منه في سبيل الله فيغيث الملهوف، ويعين الفقير المحتاج، وهذا بلا شك استثمار رابح ليس فيه خسارة، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾- [ فاطر: 29].

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights