العباءة : هل أصبحت رمزاً للحشمة أم بوابة للشهرة؟
جواهر بنت خلفان الشيدية
تُعد العباءة في مجتمعاتنا العربية والخليجية أكثر من مجرد قطعة قماش؛ فهي إرث ثقافي، ورمز للهوية، وعنوان للستر والوقار عبر الأجيال.. ولكن، مع تسارع وتيرة التغيرات الاجتماعية وانفتاح العالم الافتراضي، بدأ تساؤل يفرض نفسه على الساحة: هل ما زالت العباءة تحتفظ بجوهرها كساتر، أم تحولت في يد جيل “التواصل الاجتماعي” إلى وسيلة للفت الأنظار وحصد الشهرة؟
العباءة بين الأمس واليوم ..
قديماً، كانت العباءة تتسم بالبساطة واللون الأسود القاتم، والهدف منها كان واضحاً ومباشراً: “عدم لفت الانتباه”. أما اليوم، فقد دخلت العباءة عالم “الأزياء الراقية”، وأصبحت ميدانًا للتنافس بين المصممين. ظهرت الألوان الصارخة، والتطريزات المبالغ فيها، والقصات التي قد تبتعد أحياناً عن مفهوم “الستر” التقليدي لتواكب صرعات الموضة العالمية.
فخ “الموجة الرائجة” ومنصات التواصل
لا يمكن إنكار دور “أيقونات الموضة” والمؤثرات في إعادة صياغة مفهوم العباءة. بالنسبة للكثير من الفتيات، أصبحت العباءة وسيلة للتعبير عن التميز الاجتماعي والقدرة الشرائية. نجد أن بعض التصاميم باتت تُصنع خصيصاً لتكون “جاذبة للتصوير الرقمي”، حيث يتم التركيز على الإبهار البصري الذي يضمن حصد الإعجابات والمتابعات، وهو ما يطرح إشكالية: هل نرتدي العباءة لننصهر في قيم المجتمع، أم لنتفرد وننفصل عنها؟
صراع الأناقة والقيمة الدينية ..
يرى تربويون واجتماعيون أن هناك خلطاً أصاب الجيل الجديد بين “الجمال” و”الحشمة”. فالحشمة في جوهرها تقوم على التواضع والسكينة، بينما الشهرة تقوم على الاستعراض وجذب الأضواء. هذا التضاد جعل العباءة في حالة صراع دائم؛ فبينما تحرص فئة كبيرة من الفتيات على ارتداء عباءات عصرية وأنيقة مع الحفاظ على وقارها، تنجرف فئة أخرى خلف تصاميم “غريبة” تكسر هيبة هذه القطعة لغرض الظهور فقط.
هل الظلم يقع على العباءة أم على السلوك؟
إن الحكم على العباءة بأنها أصبحت “للشهرة فقط” فيه تعميم غير دقيق. فالكثير من الفتيات يجدن في العباءة المطورة وسيلة للجمع بين الحفاظ على العادات والتقاليد وبين مواكبة العصر بروح واثقة. المشكلة ليست في “تطوير” العباءة كزيّ، بل في “استغلالها” كأداة لجذب الانتباه بطرق تخالف الغرض الأساسي من وجودها كرمز للعفة.
كلمة أخيرة ..
ستظل العباءة دائماً هي العلامة الفارقة التي تميز المرأة العربية، ويبقى الرهان على وعي الفتاة نفسها. فالجمال الحقيقي ليس في مدى غرابة التصميم أو عدد “التفاعلات الرقمية” التي يحصدها، بل في ذلك التوازن الرقيق بين الأناقة التي تعكس شخصيتها، والرزانة التي تحفظ لها وقارها وهويتها الأصيلة.



