الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

واجبات وحقوق بين الوعي واللاوعي

حمدان بن سعيد العلوي
مدرب في الإعلام والعلاقات العامة

من منا في هذه الحياة لا يدرك أن له حقوقًا كفلها القانون، وكفلها الإسلام قبل ذلك؟

إذن، دعونا نتفق على أن كل إنسان، منذ أن جاء إلى هذه الدنيا، له حقوق تبدأ من رعاية والديه له منذ كان وليدًا حتى يكبر. ولكن، مقابل هذه الحقوق، يجب أن يعرف ويعي أنه ملزم بواجبات تُلزمه بها الأخلاقيات قبل القوانين.

بعضنا يدرك تمامًا ما يتوجب عليه قبل أن يطالب بما يحق له، وعلى هذا المبدأ يراعي كل كلمة قبل أن ينطق بها، فالكلمة إذا خرجت يصعب أن تعود، فالتربية والأخلاق الحميدة تظهر في حديث الشخص قبل أفعاله، والكلمة تؤكدها الأفعال.

كثيرًا ما نسمع من متذمّر يتحدث عن معاملة الناس له، وأنه دائمًا الضحية، وغالبًا ما يطالب هذا الشخص بحقوقه، ناسياً أن مقابل هذه الحقوق هناك واجبات.

في الحياة الاجتماعية، تمرّ علينا العديد من الأحداث والقصص بين ظالم ومظلوم. ولو أدرك الإنسان وسأل نفسه: “ما الذي قدمته لغيري، ولمجتمعي، ولوطني من واجبات، قبل أن أسعى للمطالبة بحقوقي؟” ووضع ذلك في ميزان التقييم الذاتي، لعرف حقًا إن كان يستحق تلك الحقوق التي يطالب بها أم لا.

في العمل، يتحدث الموظف عن المسؤول وهضم الحقوق، ولا يتحدث مع نفسه: “هل أديت واجباتي؟ هل راعيت الأمانة؟ هل التزمت بمسؤولياتي؟ هل أكملت ساعات عملي على أكمل وجه؟”

في المقابل، كفل له قانون العمل حق الاستئذان، والإجازات المستحقة، والتعويض عن الساعات الإضافية، واستحقاق الرواتب في وقتها. فلو تأخر الراتب يومًا واحدًا، لقامت الدنيا ولم تقعد!

وفي المقابل أيضًا، تجد بعضهم لا يعي أنه مسؤول ومساءَل عن التسرب أثناء العمل، وعن الغياب، وعن التقصير في إنجاز المهام في وقتها. لكنه لا يرى أي تقصير في تلك الواجبات، بل يركّز فقط على الحقوق، ولا يرى في ذلك أي خلل. وعندما يتساهل المسؤول ويتجاوز عن تلك الإخفاقات، لا يقدّر الموظف ذلك، بل يعتبره من حقوقه أيضًا!

في جانب آخر، يرى كل موظف أن المسؤول غير منصف ومتسلّط في قراراته، ونسِيَ أن تلك القرارات أيضًا من ضمن مهامه وواجباته الوظيفية. فعن أي تسلّط نتحدث؟

دعوني أتطرق أيضًا إلى نقطة مهمة وشائعة، وهي ظلم المسؤول والمحاباة. نعم، هناك تجاوزات من قبل بعض المسؤولين، حيث يتساهلون في تطبيق النظام على البعض، ويطبّقونه بصرامة على آخرين. والسؤال: لماذا؟

هناك عدة أسباب شخصية، لا علاقة لها بالعمل، ولا تستند إلى قوانين، وتُعد تجاوزات ومخالفات ينتهجها المسؤول الظالم. وعلى هذا المسؤول أن يتقي الله في كل قرار وتصرف إداري. فكما يُطبّق اللوائح على البعض، يجب أن يطبقها على الجميع، فالكل سواسية، لا فرق بين قريب وبعيد، لا بصلة قرابة ولا علاقات شخصية.

الفساد الإداري عبء على كل مؤسسة، والتسامح ومراعاة الظروف يجب أن ينبع من روح العمل ونظرة القائد لما يستحقه كل مجتهد، بكل شفافية. ويجب تحقيق العدالة والإنصاف، والنظر إلى الإنتاجية، وموازنة الأمور بميزان العدل لا التفرقة.

تذكّر دائمًا، عزيزي المسؤول، أن الموظف بشر، ويجب أن يُعامل بإنسانية. ولا يجب على الموظف أن يستغل إنسانية ذلك المسؤول. فالعلاقة بين الموظف والمسؤول علاقة عمل، لا تحكمها الأهواء الشخصية، وإلا فسدت المنظومة بين مسؤول ظالم وموظف مظلوم، والعكس صحيح.

البعض يعتقد أنه يأتي إلى العمل مثقلاً بأعباء المهام الوظيفية، ونسِيَ أنه قبل كل شيء، عليه أن يحمد الله على النعمة التي يفتقدها غيره. وكذلك، على المسؤول أن يتذكر دائمًا أن له مهامّ وظيفية يقوم بها، وليضع نصب عينيه أنه مسؤول، ومسؤول عن رعيته، فلا يتجاوز ولا يتسلّط ولا يظلم، فـ”الحق حق، وسيعود لأصحابه ولو بعد حين.”

الالتزام بواجبات العمل ينطبق على الجميع، ولا فرق أمام القانون واللوائح المنظمة بين وظيفة وأخرى. وعلى الجميع مراعاة التسلسل الوظيفي، دون أن تتدخل العلاقات الشخصية في ذلك.

يحق للجميع المطالبة بالحقوق، كما يجب على الجميع الالتزام بالمهام والواجبات الوظيفية.

تمرّ بنا مواقف كثيرة كل يوم، نرى ونسمع، نتفق ونختلف. فلنفرّق بين الحق والباطل جميعًا، رئيسًا ومرؤوسًا. ولا نترك في أنفسنا ذرة شك في نوايا الآخرين، ويجب أن لا نُسيء الظن بأحد.

الحقيقة لا يتقبلها الكثيرون، والصدق مرفوض في غالب الأحيان. نتحدث عن ما ينقصنا، ولا نتحدث عن النقص الذي أحدثناه بسلوكنا وتعاملنا. فأي تقصير يصدر منا، هو تقصير في حق المؤسسة، والوطن، والمواطن.
والله المستعان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights