مقالات صحفية

المؤتمر الدولي بجامعة الشرقية الرابع، عرس ثقافي علمي يصنع الأثر

سالمة بنت هلال الراسبي – كاتبة وباحثة تربوية أولى بقسم التوعية والإرشاد الطلابي – تعليمية جنوب الشرقية.

في لحظة تتقاطع فيها المعرفة مع المسؤولية، ويقف فيها البحث العلمي على تخوم الواقع، جاء المؤتمر الدولي الرابع لجامعة الشرقية (4-6 مايو 2026م) ليعلن أن الجامعة حين تتكلم علمًا، فإنها تصنع أثرًا يتجاوز حدودها، ويعيد تشكيل وعي المجتمع على امتداد أفقه.
هذا العرس الثقافي العلمي والذي جاء تحت عنوان “قضايا معاصرة في العلوم النفسية الآفاق والتحديات” كان حالة فكرية نابضة، التقت فيها عقول الفكر والبحث العملي من 12 دولة خليجية وعربية وإفريقية، في مساحة واحدة من الجدية والعمق والنقاش العلمي الحقيقي مع قضايا الإنسان والمجتمع، وقد استقبلت اللجنة العلمية 192 ورقة بحثية، خضعت لتحكيم صارم، ليتم اختيار 136 ورقة علمية ليتسم المؤتمر بإتاحة الفرصة للجميع وإبراز الجودة والرصانة العلمية، توزعت على 26 جلسة علمية بين الحضوري وعن بعد، في مشهد يشي باتساع التأثير وارتفاع سقف التنافس العلمي، بدت كمساحات مواجهة فكرية راقية، تتقاطع فيها المدارس البحثية، وتُختبر فيها الأفكار أمام النقد العلمي الجاد، في بيئة لا تعرف إلا معيار الجودة، ولتثبت أن العلم حين يُدار بعقل مؤسسي صارم، يتحول إلى قيمة مؤثرة تصنع الفارق، لا مجرد إجراء.
وفي قلب هذا المشهد، كان لطلبة الجامعة حضور مختلف؛ حضور لا يشبه المتابعة الصامتة، بل المشاركة الواعية، حيث امتلأت القاعات بأسئلة دقيقة، ونقاشات جريئة، وجرأة فكرية تعكس تحول الطالب من متلقٍ إلى فاعل، ومن مستمع إلى صانع سؤال، وهو دليل على تخرجه من بيئة تعليمية تعرف كيف تُنضج العقل قبل أن تُخرج الشهادة.
وبصفتي إحدى المشاركات بورقة علمية بعنوان (التفكك الأسري وعلاقته بإدمان المخدرات من وجهة نظر المدمنين في سلطنة عمان)، والتي جاءت بشراكة علمية مع الدكتورة جوخة الصوافي، أستاذ مشارك في الإرشاد النفسي بالجامعة، وبتعاون مؤسسات وطنية من بينها وزارة الصحة ومكتب والي ولاية الكامل والوافي ممثلًا بفريق الحد من انتشار المخدرات (حملة خليك معانا)، فقد كان التفاعل مع الورقة أقرب إلى يقظة فكرية جماعية، وأسئلة تحفر في العمق، وتكشف حجم الوعي المتنامي بخطورة القضايا الأسرية بوصفها بوابة لصناعة السلوك أو انكساره.
هنا تتجلى الحقيقة التي لا تقبل التأويل: الأسرة ليست هامشًا اجتماعيًا، بل مركز المعادلة الإنسانية والوطنية، منها يبدأ البناء أو الانكسار، ومنها يُصنع الاتزان أو الانحراف، ولهذا ظلّ الإيمان راسخًا بأن الأسرة قد تكون بيت الداء، وقد تكون في الوقت نفسه بيت الدواء.
كما يبرز في هذا السياق الدور العلمي المتقدم للكادر الأكاديمي في قسم علم النفس الذي يرأسه الدكتور إبراهيم الوهيبي، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو ربط البحث العلمي بالواقع، وبإشراف أكاديمي ورؤية منظمة واضحة من الدكتور محمد الصقري – عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
هكذا يتجلى المؤتمر كمساحة تصنع العلم والمعرفة، وتعيد تشكيل الوعي نفسه، وتدفعه إلى قلب الحياة لتتحول الأفكار إلى قوة حيّة قادرة على إحداث فرق حقيقي، يترك أثره في تفاصيل المجتمع وقضاياه المعاصرة، ويقوده خطوة خطوة نحو واقعٍ أكثر نضجًا ووعيًا واتزانًا، وتفتح أفقًا أرحب لعقول تؤمن بأن العلم رسالة إنسانية وأمانة وطنية وقوة تغيير ووعيًا صانعًا للأثر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights